أشارت دراسة برازيلية طويلة الأمد إلى وجود ارتباط بين استهلاك المحليات منخفضة السعرات وتسارع في التراجع المعرفي لدى البالغين، خصوصا لدى من يقل عمرهم عن 60 عاما والمصابين بالسكري. الدراسة تابعت نحو 12,772 مشاركا على مدار ثماني سنوات ووجدت أن أعلى فئات الاستهلاك سجلت تراجعا أسرع في اختبارات الذاكرة والقدرات الذهنية.
نشرت النتائج في مجلة نيورولوجي التابعة للأكاديمية الأمريكية لطب الأعصاب في سبتمبر/أيلول 2025، وحملت نتائجها تحذيرا مؤقتا حول اعتبار منتجات “دايت” خالية من المخاطر تلقائيا، مع التأكيد أن العلاقة التي رصدتها الدراسة إحصائية ولا تثبت السببية المباشرة.
المحليات منخفضة السعرات: ماذا كشفت الدراسة البرازيلية؟
اعتمدت الدراسة على بيانات المشاركين من “الدراسة البرازيلية الطولية لصحة البالغين” بين 2008 و2019، وقيّمت استهلاك سبعة محليات شائعة ضمن النظام الغذائي. قسّم الباحثون العينة إلى ثلاث مجموعات حسب متوسط الاستهلاك اليومي (حوالى 20، 66، و191 مليغرام يوميا على التوالي)، ورصدوا أداءهم في اختبارات الذاكرة والطلاقة اللفظية وسرعة المعالجة العامة.
بعد تعديل النتائج تبعا لعوامل مثل العمر والجنس والتعليم والحالة الصحية، سجلت المجموعة الأعلى استهلاكا تراجعا أسرع في الأداء المعرفي بنسبة بلغت 62% مقارنة بالمجموعة الأقل استهلاكا. وقدّر الباحثون أن الفارق يعادل نحو 1.6 سنة إضافية من الشيخوخة المعرفية خلال فترة المتابعة. مع ذلك شددوا على أن هذه أرقام توضح فرق معدلات التراجع وليست خسارة مباشرة في نسبة من القدرات.
تفاصيل المنهج والقيود المنهجية
اتبعت الدراسة أسلوب الملاحظة الطولية، حيث جمع الباحثون سجلات غذائية ذاتية عند بداية المتابعة لاحتساب كميات المحليات، ثم تابعوا الاختبارات المعرفية في ثلاث مراحل. اختبارات القياس شملت الذاكرة قصيرة الأمد واستدعاء الكلمات والطلاقة اللفظية وسرعة المعالجة.
القيود تضمنت الاعتماد على تذكر المشاركين لعاداتهم الغذائية في السنة السابقة فقط، وعدم تحديث تقديرات الاستهلاك بشكل دوري، إضافة إلى أن العينة اقتصرت على موظفين حكوميين بالبرازيل مما قد يحد من قابلية تعميم النتائج. كما أن طبيعة الدراسة تسمح برصد الارتباطات لكنها لا تثبت أن المحليات هي السبب المباشر للتراجع.
محليات مرتبطة وملاحظات عن الآليات المحتملة
أشار الباحثون إلى ارتباط تراجع الأداء المعرفي مع ستة محليات شملت الأسبارتام، السكرين، أسيسلفام البوتاسيوم، الإريثريتول، الزيليتول، والسوربيتول، في حين لم ترصد الدراسة علاقة واضحة للتاغاتوز مع التراجع. ولم تشمل الدراسة محليات أخرى واسعة الانتشار مثل السكرالوز وستيفيا، لذا لا يمكن تعميم النتائج عليها.
من الناحية البيولوجية تقترح الأبحاث التجريبية احتمالات متعددة، منها تأثير المحليات على تركيبة بكتيريا الأمعاء وتعكير توازنها، وهو ما قد يؤثر عبر محور الأمعاء-الدماغ على وظائف معرفية. دراسة مخبرية منفصلة أشارت إلى أن عددا من المحليات يغير نمو سلالات من بكتيريا الأمعاء في ظروف مخبرية، لكن هذا لا يثبت بالضرورة حصول أثر مماثل داخل جسم الإنسان أو تأثير مباشر على الذاكرة.
ماذا تعني نسبة 62% عملياً؟
الرقم لا يدل على فقدان 62% من الذاكرة، بل على أن معدل انخفاض نتائج الاختبارات المعرفية كان أعلى لدى المجموعة الأكثر استهلاكا بنحو 62% مقارنة بالمجموعة الأقل. كما كان الأثر أوضح لدى الأشخاص دون 60 عاما ولدى المصابين بالسكري، ما يستدعي دراسة أسباب التفاعل بين الحالة الأيضية وأنماط الاستهلاك.
التوجيهات التنظيمية وموقف الجهات الصحية
تؤكد هيئات مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أن المحليات المعتمدة آمنة عند الاستخدام ضمن الحدود المحددة، بينما احتفظت اللجنة المشتركة التابعة لمنظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة بحد مقبول يوميا للأسبارتام يقدّر بـ40 مليغراماً لكل كيلوغرام من وزن الجسم. ومع ذلك أوصت منظمة الصحة العالمية في مراجعتها عام 2023 بعدم الاعتماد على المحليات غير السكرية كاستراتيجية طويلة الأمد للتحكم في الوزن أو الوقاية من الأمراض غير المعدية.
هذا التباين يعكس أن السلامة السمية لا تعني بالضرورة وجود فوائد صحية مستدامة للاستهلاك طويل الأمد، وأن الأدلة بشأن آثار المحليات على الصحة الإدراكية لا تزال في طور التبلور.
ماذا ينبغي أن يفعل المستهلكون والمراقبون؟
لا تعني النتائج أن العودة المفاجئة إلى السكر خيار صحيح، فالاستهلاك العالي للسكر يرتبط بمشكلات صحية معروفة. بدلاً من ذلك ينصح الخبراء بتقليل الاعتماد على المنتجات شديدة الحلاوة سواء كانت محلاة بسكر أو ببدائل، والاتجاه تدريجياً إلى الماء والمشروبات غير المحلاة والأطعمة الكاملة.
ينبغي لمرضى السكري استشارة الطبيب أو اختصاصي التغذية قبل إجراء تغييرات كبيرة، لأن الاختيار يتأثر بالأدوية والتحكم في سكر الدم والوزن العام.
على الصعيد البحثي، لا تزال الحاجة ملحة لتجارب عشوائية سريرية طويلة الأمد ودراسات توفر قياسات بيولوجية مباشرة، بما في ذلك تأثيرات على بكتيريا الأمعاء وطرق تواصلها مع المخ، لتحديد ما إذا كانت المحليات تساهم سببيًا في التراجع المعرفي وما هي الآليات المؤدية لذلك.
ختاماً، تضيف الدراسة دليلاً جديداً إلى النقاش العلمي حول المحليات منخفضة السعرات وتأثيراتها المحتملة على الدماغ، ويجب متابعة نتائج التجارب المستقبلية والتقارير التنظيمية للحصول على صورة أوضح خلال السنوات القادمة.



