في المرحلة الراهنة، تشهد المنطقة تصاعدًا ملحوظًا في التوترات، مع حفاظ إسرائيل على جبهاتها المشتعلة في عدة ساحات، بدءًا من قطاع غزة وصولًا إلى الضفة الغربية، لبنان، وسوريا. هذا الوضع المعقد يأتي في ظل استحقاقات سياسية داخلية إسرائيلية، وتحديدًا مع اقتراب موعد الانتخابات، مما يزيد الضغوط على رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، المتهم بارتكاب جرائم حرب أمام المحكمة الجنائية الدولية. يبدو أن هذا النهج التصعيدي سينخرط في استمراره خلال الأشهر القادمة، مدفوعًا بالظروف الداخلية والخارجية المتشابكة.
تصعيد إسرائيلي في سوريا: دوافع وتوقيت
آخر تطورات هذا المشهد المتوتر كان الهجوم الإسرائيلي على بلدة بيت جن بريف دمشق، والذي أسفر عن خسائر فادحة في الأرواح والجرحى. هذا الهجوم، الذي أعلنت تل أبيب أنه استهدف عناصر من “الجماعة الإسلامية”، يثير تساؤلات حول دوافعه الحقيقية وتوقيته الدقيق. الجيش الإسرائيلي أقر بإصابة ستة من جنوده، بينهم ضباط، مما يشير إلى وجود مقاومة في المنطقة.
أهداف إسرائيل من العملية العسكرية
تتعدد التحليلات العسكرية والسياسية التي تسعى إلى فهم الأهداف الكامنة وراء هذا التصعيد. يمكن تلخيص هذه الأهداف في النقاط التالية:
- ترسيخ الردع: تسعى إسرائيل إلى إرساء حالة من الردع طويل الأمد في الجبهة الشمالية، بعد أشهر من التوترات المتزايدة.
- منع التمركز المسلح: تهدف العملية إلى منع أي محاولة لتمركز مسلح جديد بالقرب من منطقة الجولان السوري المحتل، خاصة في المناطق التي تعتبر امتدادًا طبيعيًا لجبهات جنوب لبنان.
- الضغط على النظام السوري: تسعى تل أبيب إلى ممارسة الضغط على نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وإبقائه في موقع “المتلقي” للرسائل، وليس “المرسل” لها.
- استبعاد التسوية السياسية: تستغل إسرائيل حالة عدم الاستقرار في سوريا لتأكيد استبعاد أي تفاوض سياسي أو ترتيب حدودي مع دمشق في الوقت الحالي.
- تأمين جبل الشيخ: تسعى إسرائيل إلى تثبيت سيطرتها على منطقة جبل الشيخ، التي تعتبرها عنصرًا حساسًا في منظومتها الأمنية.
- ربط الجبهات: تحاول إسرائيل ربط الجبهة السورية بالجبهة اللبنانية، وتقديم التصعيد كجزء من “معركة موحدة” ضد الفصائل التي تعتبرها تهديدًا.
التوازن الدقيق بين واشنطن وتل أبيب
وفقًا للمحلل العسكري في صحيفة “هآرتس”، عاموس هرئيل، فإن إسرائيل تسعى منذ فترة إلى الحفاظ على مستوى معين من التوتر العسكري في مختلف الساحات، دون الانجرار إلى حرب شاملة. هذا التوتر، بحسب هرئيل، لا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، ولا عن التوازن الدقيق الذي تحاول إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضه في المنطقة.
هناك تباين واضح بين رغبة واشنطن في منع الحرب الشاملة، ورغبة تل أبيب في استثمار التوتر في سياق الانتخابات الداخلية. هذا التباين يضع المنطقة أمام شهور من التوتر وعدم اليقين، يصعب التنبؤ بمسارها النهائي. إسرائيل تواصل تنفيذ ضربات متكررة في لبنان وسوريا دون تلقي ردود فعل مماثلة، مما يمنحها هامشًا واسعًا للمناورة العسكرية. هذا الوضع يخدم الخطاب الأمني للائتلاف الحاكم في إسرائيل، الذي يستغل هذه العمليات لتأكيد قدرته على “الردع” والسيطرة على الجبهات.
معضلة الإدارة الأمريكية والأزمة الداخلية الإسرائيلية
يرى المحللون العسكريون أن التصعيد الإسرائيلي يواجه معضلة تتمثل في محدودية قدرة إدارة ترامب على وضع خطط استراتيجية طويلة المدى، مقابل قدرتها على فرض إجراءات تكتيكية مؤقتة. هذا التناقض يبرز بشكل خاص في قطاع غزة، وقد ينعكس سلبًا على أي خطوات أمريكية مستقبلية في الشرق الأوسط.
احتمال نشوء أزمة بين ترامب ونتنياهو لا يزال قائمًا، حيث يعتمد نتنياهو على استمرار العمليات العسكرية لتعويض أزماته الداخلية وكسب تأييد اليمين، بينما يسعى الرئيس الأمريكي إلى تحقيق إنجاز سياسي قبل الانتخابات. هذا التباين قد يدفع الطرفين إلى مواجهة مباشرة إذا رفضت إسرائيل المبادرة الأمريكية المرتقبة لإنهاء الصراع.
إعادة رسم المعادلة في الساحة السورية
في قراءة تحليلية لتقرير مراسلة الشؤون العربية في موقع “واي نت”، ليؤور بن أري، يبدو أن تل أبيب بصدد رسم معادلة جديدة في الساحة السورية، تتمحور حول منع أي تمركز معادي لقواتها بالقرب من الحدود، وتثبيت حالة الردع، والتأكيد على أن سوريا لا تزال دولة غير مستقرة، مما يجعل أي اتفاق أو تفاهم سياسي معها أمرًا مستبعدًا في الوقت الحالي.
بعد الاشتباك في بيت جن، وجهت إسرائيل رسائل سياسية وأمنية “جدية” إلى نظام الأسد، بالتوازي مع إعداد حزمة ردود عسكرية قد تشمل ضربات إضافية ضد البنية التحتية للفصائل التي تعتبرها “معادية”. على الرغم من أن تل أبيب لم تؤكد تورط عناصر من النظام السوري بشكل مباشر في العملية، إلا أنها تعتبر ما حدث مؤشرًا واضحًا على أن سوريا لا تزال ساحة رخوة وغير مستقرة.
الحجج الأمنية واستمرار التصعيد
ترى تل أبيب أن منطقة بيت جن ليست مجرد قرية حدودية، بل هي جزء من شبكة انتشار لفصيل يمتلك “أسلحة متواضعة” ولكنه يملك بنية تجنيد ومواقع انتشار في جنوب لبنان والحدود السورية اللبنانية. هذه البنية، رغم محدودية قدراتها، تشكل “تهديدًا خلفيًا” لمستوطنات الجولان وقواتها المنتشرة هناك.
التصعيد الأخير أعاد إبراز موقف إسرائيل الرافض للانسحاب من المناطق التي سيطرت عليها، خاصة جبل الشيخ، معتبرة أن هذا الطرح يشكل جزءًا من “الحجج الأمنية” التي تستخدمها المؤسسة العسكرية لتبرير استمرار وجودها المكثف في الجولان المحتل. السياسة الإسرائيلية الحالية، وفقًا للتحليلات، مرشحة للاستمرار، وربما التصعيد، خلال الأسابيع المقبلة، مستغلة هشاشة الداخل السوري والتغيرات الإقليمية ومرحلة الانتخابات الداخلية.
في الختام، يظل الوضع في المنطقة معقدًا ومتغيرًا، مع استمرار التوترات وتصاعدها في ظل الظروف السياسية الداخلية والخارجية المتشابكة. من الضروري متابعة التطورات عن كثب، وفهم الدوافع والأهداف الكامنة وراء هذه التصعيدات، لتقييم المخاطر المحتملة والبحث عن حلول دبلوماسية تضمن الاستقرار والسلام. هل ترى أن هناك فرصة لتهدئة التصعيد في الفترة القادمة؟ شارك برأيك في التعليقات.















