غزة – تشهد غزة في الآونة الأخيرة تصاعدًا لافتًا في عمليات النصب المرتبطة بالمحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية، مع توسع شبكات احتيال احترافية تستغل حاجة المواطنين وضعف خبرتهم المالية في ظل انتشار المعاملات الرقمية. هذا الارتفاع في عمليات الاحتيال الرقمي يثير قلقًا متزايدًا بين السكان، خاصة مع الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشونها. وتُظهر الشهادات أن هذه العمليات تُدار بشكل منسق، بواسطة أفراد من داخل القطاع وخارجه، مستفيدين من الظروف الاقتصادية الصعبة وفترات توزيع المنح والمساعدات التي تدفع كثيرين لاستخدام هذه الخدمات دون معرفة كافية.

تصاعد عمليات النصب الرقمي في غزة: أساليب جديدة وخطر متزايد

لم تعد عمليات النصب تقتصر على الطرق التقليدية، بل تطورت لتواكب التطور الرقمي السريع. المحتالون يستغلون انتشار المحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية في غزة، والتي أصبحت وسيلة أساسية لتلقي المساعدات وإجراء المعاملات المالية. يبدأ المحتالون غالبًا بالتواصل بطريقة توحي بالصفة الرسمية، فيطرحون أسئلة بسيطة ثم يتدرجون لطلب معلومات حساسة، كالأكواد السرية وأرقام التحقق، مستغلين ضعف وعي المستخدمين وانعدام التوعية المصاحبة لانتشار هذه الخدمات.

كيف تتم عمليات الاحتيال؟ شهادات من الضحايا

القصص المتداولة بين سكان غزة تكشف عن مدى تطور أساليب الاحتيال. آلاء سامح، إحدى الضحايا، تروي تجربتها قائلة: “أنشأت محفظتي بعد اتباع جميع خطوات التحقق المطلوبة. وبعد ساعات فقط تلقيت اتصالًا من رقم محلي في وقت مبكر من الصباح، لشخص لهجته غريبة وليست غزاوية، ادعى أنه من الشركة، وبدأ بذكر بياناتي الكاملة وتفاصيل محفظتي بدقة، قبل أن يطلب مني معلومات حساسة مثل الرقم السري ورمز الكود، وحين رفضت إعطاءه أي بيانات لعدم وجود مبرر، هددني بإغلاق المحفظة، لكني أنهيت المكالمة، واكتشفت لاحقًا أنني نجوت من محاولة نصب محكمة”.

أما سميح فتحي فكان أقل حظًا، إذ تلقى اتصالاً مشابهًا في الساعة السادسة صباحًا بعد تواصله الحقيقي مع خدمة العملاء بوقت قصير. “فوجئت بأن المتصل -بلهجة شبيهة بلهجة أهل الضفة أو الأردن– يعرف اسمي الكامل واسم والدتي ورقم هويتي وتفاصيل آخر استفسار قدّمته للشركة. بناءً على هذه الثقة المضلّلة، نفّذت التعليمات التي طلبها مني وأدخلت رمز تحقق إلى التطبيق. وبعد انتهاء المكالمة اكتشفت أن رصيد محفظتي الذي بلغ نحو 7 آلاف شيكل (2135 دولارًا) قد سُرق بالكامل”.

شبكات احتيال منظمة وتسريب بيانات محتمل

تثير هذه الحالات تساؤلات حول مدى أمان البيانات الشخصية والمالية للمستخدمين. المخاوف لم تعد تتعلق فقط بقلة خبرة المستفيدين، بل بتلقي ضحايا اتصالات من أشخاص يمتلكون معلومات دقيقة عن حساباتهم، بينها بيانات لا يفترض أن تكون خارج دوائر الشركة، مثل تاريخ إنشاء المحفظة أو تفاصيل مشكلة سابقة. هذا يشير إلى احتمال وجود تسريب بيانات أو ضعف رقابي لم يخضع بعد لفحص جدي، وفقًا لمراقبين.

وتشير الشهادات إلى أن عمليات الاحتيال تُدار بمستوى عالٍ من الاحتراف، فالمحتالون مطّلعون على آليات إنشاء المحافظ وتوثيقها، ويبدون قدرة على الوصول إلى معلومات شخصية دقيقة. كما يعتمدون على اختيار توقيت الاتصال بعناية، مثل ساعات الفجر أو ما قبل النوم، وهي لحظات تقل فيها قدرة الشخص على التركيز.

دور الجهات الخارجية و”التسويق” في عمليات الاحتيال

ترجح إفادات الضحايا أن هذه العمليات لا تُدار من داخل غزة غالبًا، إذ توحي لهجة المتصلين وطريقة حديثهم بارتباطهم بجهات خارجية. وتَرِد معلومات تفيد بأن الأموال المسروقة تُحوَّل لاحقًا إلى خارج القطاع بوسائل يصعب تتبعها، ما يعزز فرضية وجود شبكات احتيال عابرة للحدود، منظمة بما يكفي لتجاوز قدرات الملاحقة المحلية.

يؤكد أحمد أبو قمر، المختص في الشأن الاقتصادي، أن عمليات النصب ليست حكرًا على غزة، بل هي ظاهرة عالمية تتطور باستمرار. ويضيف أن المحتالين يعتمدون أساسًا على بناء الثقة عبر امتلاك بيانات دقيقة للضحايا، إلى جانب اختيار توقيت اتصال ذكي يتزامن مع ازدحام الطلب على إنشاء الحسابات البنكية الرقمية، خاصة عند الإعلان عن بدء التسجيل أو رفع سقف التحويلات.

ويوضح أبو قمر: “هذه العمليات لا تتم بشكل فردي، بل من خلال شبكات احترافية يضطلع فيها كل شخص بدور محدد. وهناك تعاون واضح بين جهات خارجية وأشخاص داخل غزة، إذ تُحوّل الأموال المسروقة عبر نظام يُعرف بـ”التسويق”، وهو شبكة تحويلات موازية تسمح بمرور الأموال بسرعة ومن دون رقابة مصرفية، ما يجعل تتبعها شبه مستحيل”.

جهود شركات المحافظ الإلكترونية وضرورة التوعية

في هذا السياق، تؤكد إحدى شركات المحافظ الإلكترونية أنها تعتمد منظومة أمان متعددة المستويات لحماية بيانات المستخدمين، وأن جميع المعلومات المخزنة في أنظمتها مشفرة ولا يمكن الوصول إليها من أي طرف غير مخول. وتشدد الشركة على أن عمليات النصب لا تتم عبر اختراق أنظمتها، بل عبر خدع اجتماعية تعتمد على استدراج المستخدم لإفشاء معلوماته السرية.

وتضيف الشركة: “دورنا الآن هو تعزيز حملات التوعية، وتوجيه المواطنين من أجل عدم الرد على أي اتصال مجهول، وعدم مشاركة أي بيانات خارج التطبيق الرسمي، والإبلاغ فورا عن أي محاولة احتيال”.

كيف تحمي نفسك من الاحتيال الرقمي؟

مع توسع هذه الظاهرة، يظل المواطن الحلقة الأضعف في منظومة مالية تتسع بوتيرة تفوق قدرة المستخدمين على فهمها أو التعامل معها بأمان. لحماية نفسك من جرائم الإنترنت، يجب اتباع النصائح التالية:

  • لا تشارك معلوماتك الشخصية أو المالية مع أي شخص عبر الهاتف أو الإنترنت.
  • كن حذرًا من الرسائل النصية أو رسائل البريد الإلكتروني التي تطلب معلومات حساسة.
  • تحقق من هوية المتصل أو المرسل قبل تقديم أي معلومات.
  • استخدم كلمات مرور قوية ومعقدة، وقم بتغييرها بانتظام.
  • قم بتحديث تطبيقاتك وبرامج مكافحة الفيروسات بانتظام.
  • أبلغ عن أي محاولة احتيال إلى الجهات المختصة.

ويطالب المختصون بتدخل الجهات التنظيمية لوضع معايير حماية أشد صرامة، ورفع الوعي الرقمي، والتحقيق في مصادر تسريب البيانات إن وجدت، إضافة إلى إنشاء آليات تعويض واضحة للضحايا ومنظومة فعالة للشكوى والمتابعة. فالوقاية خير من العلاج، والتوعية هي السلاح الأمثل لمواجهة خطر الاحتيال الرقمي المتزايد في غزة.

شاركها.
اترك تعليقاً