في تطور دبلوماسي وإنساني يثير تساؤلات وانتقادات، أعلنت إسرائيل في ديسمبر/كانون الأول 2025 اعترافها بـ”أرض الصومال” (صوماليلاند) كدولة مستقلة وذات سيادة. ورغم أن الإعلان الرسمي جاء حديثًا، إلا أن جذور العلاقة بين الطرفين تمتد لأكثر من عقدين، وتنافست على البناء فيها المبادرات السياسية والرسمية، إلى جانب جهود إنسانية نبيلة، خاصة في مجال الرعاية الصحية، حيث شهدت المستشفيات الإسرائيلية علاج عشرات الأطفال المصابين بأمراض قلبية معقدة من صوماليلاند. هذا التعاون الإنساني، الذي سبقت الأحداث السياسية، يلقي الضوء على جانب غير متوقع في مسيرة التقارب بين إسرائيل والإقليم.
علاقات إنسانية تسبق الاعتراف السياسي: قصة قلوب صغيرة
لم يكن اعتراف إسرائيل بصوماليلاند وليد اللحظة، بل نتيجة لتراكم جهود وعلاقات ممتدة تركزت بشكل كبير حول الرعاية الطبية، وتحديدًا عمليات القلب للأطفال. منظمة “أنقذوا قلب طفل” (Save a Child’s Heart) الإسرائيلية غير الربحية، لعبت دورًا محوريًا في هذه العلاقة، حيث قدمت منذ عام 2004 المساعدة الطبية المجانية لـ 49 طفلاً من صوماليلاند في مركز ولفسون الطبي في حولون. يشير التسارع الملحوظ في عدد الحالات خلال العامين الماضيين، بـ 20 طفلاً عام 2024 و 19 طفلاً عام 2025، إلى تعميق التعاون وتوسيع نطاقه.
من قضية فردية إلى برنامج مستمر
بدأت هذه القصة، كما يرويها موقع ynet العبري، بقضية إنسانية بحتة. دبلوماسي صوماليلاندي يعمل في إثيوبيا، عمر حاجي محمود، اضطر إلى اللجوء إلى السفارة الإسرائيلية طلبًا لمساعدة طبية لإنقاذ حياة ابنه المصاب بمرض قلبي خطير. على الرغم من أن هذه الخطوة كلّفته منصبه الدبلوماسي، إلا أنه أصر عليها، معتبرًا أن “حياة الطفل أهم من السياسة”. وهذا الموقف أوجد نقطة انطلاق قوية في بناء الثقة بين الجانبين.
سايمون فيشر، المدير التنفيذي للمنظمة، يستذكر هذه اللحظة باعتبارها “بداية علاقة طويلة الأمد”، مشيرًا إلى أنها كانت المرة الأولى التي يتم فيها التحدث عن صوماليلاند داخل المنظمة. ومنذ ذلك الحين، تطورت الاتصالات تدريجيًا إلى تعاون منتظم يشمل توفير العمليات الجراحية، ومرافقة الأطفال خلال فترة العلاج، والتنسيق مع عائلاتهم، وتقديم رعاية طبية شاملة.
دور مستشفى إدنا عدن في تسهيل التعاون الطبي
لم يقتصر دور المنظمة الإسرائيلية على إجراء العمليات الجراحية فحسب، بل امتد ليشمل العمل الميداني داخل صوماليلاند نفسها. وقد تجسد هذا التعاون من خلال الشراكة مع مستشفى إدنا عدن للأمومة، الذي أسسته إدنا عدن، الشخصية القيادية في المجال الصحي والسياسي في الإقليم.
اختيار الحالات الطبية وتأهيل المرضى
ساهم مستشفى إدنا عدن في تسهيل عملية اختيار الحالات الطبية المناسبة، وتوفير التحضيرات اللازمة للمرضى قبل نقلهم إلى إسرائيل لتلقي العلاج. وبحسب العاملين في البرنامج، شهد التعاون تطورًا ملحوظًا منذ عام 2012، وزاد زخمًا بعد زيارة قام بها أحد الأطباء الإسرائيليين للمستشفى في عام 2021، حيث التقى بشباب كانوا قد تلقوا العلاج في إسرائيل وهم أطفال. هذه اللقاءات عززت الثقة في فعالية البرنامج وأهميته.
الاعتراف الرسمي وردود الأفعال العربية
في ديسمبر/كانون الأول 2025، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الاعتراف الرسمي بـ”أرض الصومال” كدولة “مستقلة وذات سيادة”. وأشار إلى توقيعه، إلى جانب وزير الخارجية جدعون ساعر ورئيس صوماليلاند، “إعلانًا مشتركًا ومتبادلًا” على منصة “إكس”.
هذا الإعلان لم يمر بسلام، بل أثار موجة رفض واسعة في أوساط عربية مختلفة. وتعتبر هذه الخطوة بمثابة تحدٍ للمواقف السياسية القائمة، وتعكس سعي إسرائيل لتوسيع نطاق علاقاتها الدبلوماسية في القارة الأفريقية. الجدل الدائر حول هذا الاعتراف يبرز مدى حساسية القضية، وأهمية فهم السياق التاريخي والسياسي الذي يحيط بها. على الرغم من أن هذا الاعتراف يظل مثيراً للجدل، إلا أنه يمثل نقطة تحول في علاقة كانت مُرسّخة في الأصل في العمل الإنساني و التعاون الطبي.
مستقبل العلاقات الإسرائيلية الصوماليلاندية: تحديات وفرص
لا شك أن الاعتراف الإسرائيلي بصوماليلاند سيفتح آفاقًا جديدة للتعاون في مجالات مختلفة، بما في ذلك الأمن والاقتصاد والتكنولوجيا. ولكن، في الوقت نفسه، ستواجه هذه العلاقة تحديات كبيرة، أهمها معارضة العديد من الدول العربية ورفضها لهذا الاعتراف، فضلاً عن عدم الاستقرار السياسي والأمني الذي تشهده منطقة القرن الأفريقي.
ومع ذلك، فإن نجاح برنامج “أنقذوا قلب طفل” وما حققه من إنجازات إنسانية، يدل على أن التعاون ممكن وبناء، حتى في ظل الظروف الصعبة. مستقبل العلاقة بين إسرائيل وصوماليلاند سيعتمد على قدرة الطرفين على إدارة هذه التحديات، والاستفادة من الفرص المتاحة، مع إعطاء الأولوية للمصالح المشتركة، والسعي نحو تحقيق السلام والاستقرار في المنطقة. إن التركيز على الجانب الإنساني، مثل الرعاية الصحية المقدمة للأطفال، يمكن أن يكون بمثابة جسر للتواصل وبناء الثقة، مما يساهم في تحقيق هدف أسمى وهو تحسين حياة الناس.















