في ظل أتون الحرب المستمرة على قطاع غزة، يبرز مشهد نادر، مشهد عزيمة وإصرار يتحدى كل الصعاب. على الرغم من الدمار والحصار الذي يفرضه الاحتلال الإسرائيلي منذ أكثر من 27 شهرًا، تمكنت وزارة الصحة الفلسطينية في غزة من تخريج دفعة جديدة تضم أكثر من 170 كادرًا صحيًا حاصلًا على شهادة البورد الفلسطيني. هذا الإنجاز ليس مجرد تخريج أطباء، بل هو رسالة أمل وتحدٍّ للعالم أجمع، ودليل على أن الإرادة الفلسطينية قادرة على مواجهة أقسى الظروف. الأطباء المقيمون في غزة يمثلون خط الدفاع الأول عن صحة شعبهم، وتخرّجهم يبعث برسالة واضحة: فلسطين باقية، وعلمها يرتفع رغم كل التحديات.
تخرج وسط الركام: شهادة على الصمود
اختارت وزارة الصحة الفلسطينية ساحة مستشفى الشفاء، الذي دُمّر بالكامل على يد قوات الاحتلال، لإقامة حفل التخرج. لم يكن هذا الاختيار عشوائيًا، بل كان بمثابة رسالة رمزية قوية للعالم، تذكّره بأكبر جريمة حرب شهدها هذا القرن. فالشفاء، الذي لطالما كان رمزًا للرعاية الصحية في غزة، أصبح شاهدًا على وحشية الاحتلال، ولكنه أيضًا أصبح منصة لإعلان النصر، نصر الإرادة على الموت والدمار.
يقول الدكتور منير البرش، المدير العام لوزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، إن قرار الاستمرار في “برنامج البورد” رغم الإبادة الجماعية كان قرارًا حكيمًا. يؤكد البرش أن هؤلاء الأطباء واصلوا دراستهم وتعلمهم، بينما كانوا في الوقت ذاته ينقذون أرواح الناس، وهو ما يستحق كل الاحترام والتقدير. هذا التحدي الطبي في غزة يظهر التفاني اللامتناهي للعاملين الصحيين في تقديم الرعاية لشعبهم، حتى وهم يعيشون في قلب الكارثة.
تكريم الأبطال: تخليد ذكرى الشهداء
لم يقتصر الاحتفال على تكريم الخريجين الجدد، بل تضمن أيضًا تكريمًا خاصًا للأطباء الذين استشهدوا أثناء دراستهم أو عملهم. استشهد أكثر من 13 طبيبًا أثناء فترة انتمائهم لبرنامج البورد الفلسطيني، وتم تكريمهم جميعًا جنبًا إلى جنب مع تكريم أهاليهم وأساتذتهم الذين فقدوا حياتهم أيضاً.
كما كُرّم الأساتذة الشهداء، من بينهم الدكتور عمر فروانة والدكتور مروان السلطان والدكتور عدنان البرش، الذين كانوا يشاركون في تعليم هؤلاء الأطباء الجدد قبل أن يرتقوا إلى ربهم. هذا التكريم هو اعتراف بالدور البطولي الذي قدمه هؤلاء الأطباء في خدمة وطنهم وشعبهم، وتأكيد على أن دماءهم لن تذهب سدى. إن القطاع الصحي في غزة يعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية، وفقدان هؤلاء الأطباء يشكل خسارة فادحة، ولكنه في الوقت نفسه يزيد من تصميم الأطباء الباقين على مواصلة العمل.
رسالة إلى العالم: الإنسانية على المحك
شدد الدكتور البرش في رسالة موجهة إلى العالم على أن العالم ينظر إلى غزة من بعيد، وأنه بحاجة إلى تعلم الإنسانية. واعتبر أن ما تقوم به غزة هو درس في الإنسانية، يقدم للعالم الذي يصمت على الظلم والمجازر المتواصلة.
وحذر المدير العام لوزارة الصحة من أن الصمت على ما يحدث في غزة سيفقد العالم إنسانيته، داعيًا إلى الصحوة والنظر بعيون الحقيقة إلى القطاع الذي يتعرض للتدمير والقصف والحصار، ويُمنع عنه الغذاء والدواء. وانتقد البرش صمت المجتمع الدولي، بينما يزداد الاحتلال الإسرائيلي غطرسة ويحاول منع العالم من أن يكون شاهدًا على الحقيقة.
الإرادة الفلسطينية: أقوى من آلة الحرب
إن تخرج هذه الدفعة من الأطباء في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها قطاع غزة، هو دليل قاطع على أن الإرادة الفلسطينية أقوى من أي آلة حرب. فالأطباء، على الرغم من الخوف والقلق الذي يعيشونه، تمكنوا من إكمال دراستهم وتقديم خدماتهم الطبية لشعبهم، متحدين بذلك كل الصعاب والتحديات. هذا التخرج يمثل انتصارًا للروح الإنسانية، ويؤكد أن التعليم والتقدم لا يمكن أن يتوقفان، حتى في أحلك الظروف.
تواصل وزارة الصحة الفلسطينية جهودها الحثيثة لتطوير الخدمات الطبية في غزة وتوفير الرعاية الصحية اللازمة لجميع المواطنين. ورغم التحديات الهائلة، فإنها تصر على الاستمرار في تقديم خدماتها، إيمانًا منها بحق الشعب الفلسطيني في الحياة الكريمة والصحة الجيدة.
في الختام، إن تخرج دفعة جديدة من الأطباء في غزة هو بارقة أمل في سماء مظلمة، ورسالة تحدٍ للعالم أجمع. إنه يذكرنا بأن الإرادة الفلسطينية لا تقهر، وأن شعب فلسطين سيظل صامدًا وثابتًا على أرضه، حتى تحقق الحرية والاستقلال. نشجعكم على مشاركة هذه القصة الملهمة مع الآخرين، والتعبير عن تضامنكم مع الشعب الفلسطيني. يمكنكم أيضًا دعم المؤسسات الصحية العاملة في غزة، لمساعدتها على مواصلة تقديم خدماتها الطبية لشعبها.















