الذكاء الاصطناعي: “ذكي بشكل مخيف” – نظرة من قلب وادي السيليكون
يثير الذكاء الاصطناعي، بتطوره المتسارع، الكثير من التساؤلات والقلق لدى الكثيرين. يطرح كتاب “ذكي بشكل مخيف” للمهندس المصري محمد جودت، المعروف في أوساط “وادي السيليكون” بـ “مو جودت”، رؤية عميقة حول هذه الثورة التكنولوجية وعلاقتنا بها. الكتاب، الذي صدر عام 2021 قبل الانتشار الواسع لـ ChatGPT، يمثل دعوة للتفكير في مستقبلنا المشترك مع الآلات، وهو ما جعله محط أنظار المثقفين وخبراء التكنولوجيا. لعلّ الأمر الذي دفعني لقراءته، بعد أن بقي مهملاً على رفوف مكتبتي لسنوات، كان لقاء جودت في الدوحة خلال مشاركته في القمة العالمية للابتكار في التعليم “وايز” في نهاية نوفمبر الماضي، حيث أظهر عمق تفكيره وأهمية رسالته.
قصة الكتاب: من الإهمال إلى الإدراك
اعتراف شخصي: لطالما وجدتُ العذر بعدم توفر الوقت لقراءة هذا الكتاب، وهو عذر زائف، فكم من الساعات أهدرتها في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي! هذا الكتاب لم يكن مجرد إضافة إلى مكتبتي، بل كان رمزًا للوعي المتراكم، الذي استدعيته بعد أن سمعت المتحدث به، مو جودت، أحد أهم الأصوات في مجال التكنولوجيا. خمسة كتب للمؤلف تصدرت قوائم المبيعات، وهذا دليل على قدرته على تبسيط الأفكار المعقدة وتقديمها للجمهور بطريقة مشوقة ومؤثرة.
الذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة
في كتابه “ذكي بشكل مخيف”، لا يتعامل جودت مع الذكاء الاصطناعي كبقية التقنيات التي سبقت. فهو يراه تحولاً جذرياً في مسار التطور التكنولوجي، يتطلب منا تفكيراً استراتيجياً ووعياً أخلاقياً. لم يعد الأمر يتعلق بآلات تنفذ أوامرنا فحسب، بل بكيانات تتعلم وتتطور باستقلالية. هذه الاستقلالية، هي التي تثير المخاوف، ولكنها أيضًا تحمل في طياتها إمكانات هائلة.
جودت، الذي قضى أكثر من 27 عامًا في شركات رائدة مثل IBM و Microsoft و Google، يقرّ بصعود وهيمنة الذكاء الاصطناعي، لكنه يحذر من التركيز فقط على الجوانب التقنية. الأخلاق والقيم الإنسانية يجب أن تكون في صميم عملية تطوير الذكاء الاصطناعي، وإلا فإننا نخاطر بخلق مستقبل لا نرغب في العيش فيه.
الحتميات الثلاث لمستقبل الذكاء الاصطناعي
يرى جودت أن هناك ثلاث حتميات لا مفر منها في ظل تطور الذكاء الاصطناعي المتسارع:
- استمرار تطور الذكاء الاصطناعي: لا يمكننا إيقاف التقدم التكنولوجي، فالتطور مستمر ولا رجعة فيه، مدفوعًا بالتنافس الدولي والاقتصادي.
- تفوق الذكاء الاصطناعي على البشر: يتوقع جودت الوصول إلى ما يسمى “نقطة التفرد” بحلول عام 2029، وهي اللحظة التي يتجاوز فيها ذكاء الآلة ذكاء البشر بشكل كبير.
- وقوع الأخطاء: مع التطور السريع والتعلم المستمر، لا بد من وقوع أخطاء، وقد تكون عواقبها وخيمة، خاصة وأن الآلة تتعلم من سلوكنا البشري – بما فيه الجشع والصراعات.
نحن الآباء السيئون؟
يشدد جودت على أن الذكاء الاصطناعي الحالي يتعلم من خلال مراقبة سلوكنا على الإنترنت. وهذا يعني أننا، من خلال تفاعلنا مع المحتوى السلبي والسام، نعلم الآلة قيمًا سلبية. الخوارزميات الحالية مصممة لزيادة الأرباح والمشاهدات، وليس لتحقيق السعادة الإنسانية. هذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل نحن نربي الذكاء الاصطناعي على أسس صحيحة؟
كيف ننقذ العالم؟ – حلول عملية
الحل، بحسب جودت، لا يكمن في قوانين صارمة، لأن الذكاء الاصطناعي سيصبح أذكى من أن يحده القانون. بل يكمن في تغيير سلوكنا:
- التدريب بالحب والتعاطف: يجب علينا توجيه الخوارزميات من خلال تقديم بيانات تعكس أفضل ما فينا: الحب، اللطف، التعاون، والصدق.
- المسؤولية الفردية: كل تفاعل نقوم به على الإنترنت، سواء كان إعجابًا أو مشاركة، هو بمثابة درس للذكاء الاصطناعي. لذا يجب علينا التوقف عن التفاعل مع المحتوى السام.
فصول الكتاب: نظرة متعمقة
الكتاب مقسّم إلى فصول تتناول جوانب مختلفة من الموضوع، بدءًا من الواقع الحالي وصولًا إلى التوقعات المستقبلية والحلول المقترحة.
- الواقع الجديد وكسر حاجز الصمت: يوضح جودت أننا لم نعد نتحدث عن مجرد آلات، بل عن كيانات تتعلم ذاتيًا وتتطور بسرعة هائلة.
- الحتميات الثلاث: يشرح هذه الحتميات بتفصيل أكبر، ويؤكد على أنها لا مفر منها.
- التفرد ومشكلة التحكم: يناقش مفهوم التفرد والتحديات التي يطرحها فيما يتعلق بالسيطرة على الذكاء الاصطناعي.
- تربية الطفل الرقمي: يقدم تشبيهًا مؤثرًا للذكاء الاصطناعي، باعتباره “طفلًا رقميًا” يتعلم من خلال مراقبة سلوكنا.
- ملامح المستقبل: يقدم رؤية متفائلة للمستقبل، بشرط أن نتبنى قيمًا إنسانية إيجابية في عملية تطوير الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي: مرآة تعكسنا
يختتم جودت كتابه بدعوة إلى التغيير، مؤكدًا على أن الذكاء الاصطناعي هو “مرآة تعكس وجوهنا”. وإذا لم يعجبنا ما نراه في هذه المرآة، فلا يجب أن نكسرها، بل يجب أن نغير وجوهنا ونعمل على تطوير أنفسنا، لنربي هذا الكيان الجديد ليكون حليفًا للبشرية، وليس عدوًا لها. الكتاب ليس مجرد تحليل تقني، بل هو دعوة للتأمل في قيمنا ومسؤوليتنا تجاه مستقبلنا المشترك مع الآلات. الأمن السيبراني والتعامل الأخلاقي مع البيانات، هما جانبان ضروريان أيضًا في هذه المعادلة، ويجب أن يتم تناولهما بعين الاعتبار عند تطوير ونشر تقنيات الذكاء الاصطناعي.
هذا الكتاب يمثل قراءة ضرورية لكل من يهتم بمستقبل التكنولوجيا والإنسانية، ويدعو إلى حوار واسع حول كيفية تشكيل هذا المستقبل بشكل إيجابي ومستدام.















