في إطار الجهود المستمرة لمكافحة الإرهاب، نفذت السلطات التركية حملة أمنية واسعة النطاق في أواخر ديسمبر 2025، استهدفت خلايا يُشتبه في ارتباطها بتنظيم الدولة الإسلامية (داعش). هذه العمليات، التي شملت 21 ولاية وأسفرت عن توقيف 357 شخصًا، تكتسب أهمية خاصة نظرًا لتزامنها مع اقتراب احتفالات رأس السنة، وهو وقت لطالما سعى التنظيم لاستغلاله في تنفيذ هجمات. تؤكد هذه الحملة التصعيد المستمر في مواجهة التهديد الإرهابي داخل تركيا، وتبرز قدرة الأجهزة الأمنية على الاستجابة الاستباقية للمخاطر المحتملة.
تطور حضور تنظيم الدولة الإسلامية في تركيا
جذور تواجد تنظيم الدولة الإسلامية في تركيا تعود إلى حالة عدم الاستقرار التي شهدتها المنطقة في أعقاب التوترات في سوريا والعراق عام 2014. استغل التنظيم هذه الفوضى لإنشاء موطئ قدم له بالقرب من الحدود التركية، وتحويل مناطق التماس إلى ممرات استراتيجية لتجنيد المقاتلين الأجانب وتسهيل حركتهم. لم يقتصر نشاط التنظيم على الخارج، بل انتقل تدريجيًا إلى الداخل التركي عبر سلسلة من الهجمات الدامية بين عامي 2015 و 2017.
الهجمات الإرهابية الرئيسية في تركيا (2015-2017)
- هجوم أنقرة 2015: استهدف انتحاريون تجمعًا سلميًا في العاصمة أنقرة، أسفر عن مقتل 103 أشخاص.
- هجوم ملهى رينا في إسطنبول 2017: هجوم إرهابي وقع ليلة رأس السنة في ملهى “رينا” بإسطنبول، مما تسبب في مقتل 39 شخصًا.
- هجمات أخرى: استهدفت مطار أتاتورك، وبلدة سروج، ومدينة ديار بكر، مخلفة وراءها عشرات القتلى والجرحى.
هذه الهجمات شكلت تحدياً أمنياً كبيراً لتركيا، واستدعت استجابة حكومية قوية. ركزت الحكومة على تعزيز الرقابة الأمنية وتنفيذ حملات دهم واعتقال واسعة النطاق، مما أدى إلى تفكيك العديد من الشبكات الداخلية للتنظيم وتراجع وتيرة الهجمات بعد عام 2017.
تفاصيل الحملة الأمنية الأخيرة
بدأت الحملة الأمنية الأخيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في تركيا بشكل تدريجي خلال الأيام الأخيرة من ديسمبر 2025، مع تنسيق عالٍ بين مختلف الأجهزة الأمنية والنيابات العامة والاستخبارات. قبل الموجة الكبرى بيوم واحد، تم تنفيذ مداهمات طالت أكثر من 100 موقع في عدة ولايات، بما في ذلك 114 مداهمة في إسطنبول وضواحيها.
نتائج المداهمات الأولية
أسفرت هذه المداهمات الأولية عن ضبط مواد رقمية ووثائق يعتقد أنها مرتبطة بمخططات التنظيم. جاءت هذه التحركات كجزء من سلسلة اعتقالات سابقة استهدفت أكثر من 100 مشتبه بهم، وسط معلومات استخباراتية تشير إلى مخططات لهجمات محتملة تستهدف احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة.
وفي فجر يوم الثلاثاء 30 ديسمبر/كانون الأول، بلغت الحملة ذروتها مع انطلاق عمليات مداهمة متزامنة في 21 ولاية تركية. شارك في هذه العمليات وحدات مكافحة الإرهاب والقوات الخاصة، بتوجيه مباشر من وزارة الداخلية. وبلغ عدد الموقوفين 357 شخصًا يشتبه في ارتباطهم بالتنظيم الإرهابي. وقد تمكنت قوات الأمن من تحرير 5 نساء و6 أطفال كانوا محتجزين داخل أحد المنازل في ولاية يالوفا (يلوا)، في حين قُتل ستة عناصر من التنظيم المتحصنين في نفس المنزل، مما أسفر عن مقتل 3 من رجال الشرطة وإصابة 9 آخرين.
أهمية التوقيت ودلالات الحملة الأمنية
تزامن توقيت الحملة الأمنية الشاملة مع ارتفاع مستوى التأهب قبيل احتفالات رأس السنة، مما يعكس استراتيجية وقائية مدروسة. فقد أصدرت قيادة الدرك التركي بلاغًا إلى وحداتها في أنقرة وإسطنبول في 19 ديسمبر/كانون الأول، تحذر من معلومات استخباراتية حول نية تنظيم الدولة الإسلامية تنفيذ هجمات متزامنة عشية رأس السنة الميلادية.
الإجراءات الأمنية المتخذة لتأمين احتفالات رأس السنة
حددت التقديرات الأمنية الأهداف المحتملة للهجمات، مثل مراكز التسوق والأسواق الشعبية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية. استجابت السلطات بسرعة من خلال نشر أكثر من 325 ألف عنصر من قوات الشرطة والدرك وخفر السواحل في جميع أنحاء الولايات، بدءًا من 30 ديسمبر/كانون الأول وحتى 2 يناير/كانون الثاني. هذا الانتشار الأمني المكثف ساهم بشكل كبير في الحفاظ على الأمن والاستقرار خلال فترة الاحتفالات.
تحليل الحملة ومستقبل مكافحة الإرهاب في تركيا
يرى المحلل السياسي التركي علي أسمر أن تركيا أحرزت تقدمًا ملحوظًا في تفكيك البنية الداخلية لتنظيم الدولة الإسلامية، وأن قدرة الأجهزة الأمنية على توقيف أعداد كبيرة من المشتبه بهم خلال فترة زمنية قصيرة تدل على تطور القدرات الاستخباراتية والميدانية. يشير أسمر إلى أن نشاط تنظيم الدولة يميل إلى التزامن مع محطات حساسة، مثل احتفالات رأس السنة أو عند تصاعد الحديث عن عمليات عسكرية تركية محتملة.
مكافحة الإرهاب في تركيا لا تزال تتطلب جهودا مستمرة، على الرغم من النجاحات التي تحققت، فخطر التنظيم لم يختف تمامًا، ولكنه تقلصت قدرته على التمدد. ويدعو أسمر إلى إنشاء مركز بحثي متخصص في دراسة الحالات التي سبق وأن انتمت إلى التنظيم لفهم أسباب الانجراف وتطوير استراتيجيات فعالة لمنع تكرار ذلك، خصوصًا وأن عناصر الخلية الأخيرة في يالوفا كانوا جميعا من المواطنين الأتراك. هذا يطرح تساؤلات حول كيفية إيصال أفكار التنظيم إلى الداخل التركي وكيفية تحصين المجتمع ضد هذه الاختراقات في المستقبل.
باختصار، الحملة الأمنية الأخيرة ضد تنظيم الدولة الإسلامية في تركيا تعتبر خطوة هامة في جهود مكافحة الإرهاب، وتؤكد التزام الدولة بحماية مواطنيها والحفاظ على الأمن والاستقرار. يتطلب النجاح المستمر في هذا المجال استمرار التعاون الوثيق بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، بالإضافة إلى تطوير استراتيجيات شاملة تعالج الأسباب الجذرية للانخراط في الأنشطة الإرهابية.















