يتساءل العلماء منذ عقود عن سبب وجود أرقام محددة تتحكم في الكون، والمعروفة باسم الثوابت الأساسية للطبيعة. هذه القيم، مثل سرعة الضوء وثابت الجاذبية، ضرورية لفهم القوانين الفيزيائية، لكن أصلها الدقيق لا يزال لغزا. وتثير هذه المسألة نقاشات علمية وفلسفية حول ما إذا كانت هذه الثوابت مجرد مصادفة أم دليلًا على وجود تصميم أعمق وأكثر تعقيدًا في الكون.
تعتمد الفيزياء على المعادلات لوصف الظواهر الطبيعية والتنبؤ بسلوكها، بدءًا من حركة الجسيمات دون الذرية وصولًا إلى تطور المجرات والكون ككل. ولكن هذه المعادلات تتطلب إدخال قيم رقمية محددة – الثوابت الأساسية – التي لا يمكن استنتاجها من المعادلات نفسها. هذا يطرح سؤالًا حول وجود تفسير أعمق لهذه القيم وكيف تطورت عبر الزمن.
رحلة البحث عن تغير في الثوابت الأساسية
يسعى العلماء للإجابة على هذا السؤال من خلال إجراء تجارب دقيقة وملاحظات فلكية. إحدى الفرضيات الرئيسية هي أن هذه الثوابت قد لا تكون ثابتة بالفعل، بل ربما تتغير بمرور الوقت أو تختلف في مناطق مختلفة من الكون. للبحث عن هذه التغيرات المحتملة، يلجأ الفلكيون إلى مراقبة الأجسام البعيدة جدًا، مثل الكويزارات، التي تمثل “كبسولات زمنية” تحمل معلومات عن قوانين الفيزياء في الماضي.
تستند هذه الأبحاث إلى فكرة أن أي تغيير في الثوابت الأساسية سيترك بصمة مميزة في الطيف الضوئي القادم من هذه الأجسام البعيدة. وحتى الآن، أظهرت معظم القياسات أن الثوابت الأساسية تظل ثابتة بدرجة عالية من الدقة على مدى مليارات السنين. ومع ذلك، فإن هذا لا يستبعد إمكانية وجود تغيرات طفيفة جدًا أو تقلبات في فترات زمنية أطول.
التحديات في قياس الثوابت
قياس هذه الثوابت بدقة متناهية يمثل تحديًا كبيرًا للعلماء. يتطلب ذلك استخدام ساعات ذرية عالية الاستقرار وأدوات قياس متطورة للغاية، بالإضافة إلى نماذج فيزيائية دقيقة لتفسير النتائج. بالإضافة إلى ذلك، فإن التأثيرات البيئية والعوامل الأخرى يمكن أن تؤثر على دقة القياسات، مما يستدعي اتخاذ تدابير احترازية وتقنيات تصحيح متطورة.
ماذا يعني “الضبط الدقيق” للكون؟
يثير “الضبط الدقيق” للكون – أي القيمة الدقيقة للثوابت الأساسية التي تسمح بوجود الحياة – تساؤلات عميقة حول طبيعة الكون وهدفه. لو كانت سرعة الضوء أو قوة الجاذبية مختلفة قليلًا، لما كانت النجوم والمجرات لتتشكل، ولما كانت الحياة لتوجد. هذا يستدعي التفكير في إمكانية وجود تصميم ذكي أو مبدأ أنثروبي يفسر لماذا نحن نعيش في كون بهذه الخصائص المحددة.
يرى البعض أن هذا الضبط الدقيق يشير إلى وجود عالم متعدد (Multiverse) يحتوي على أكوان مختلفة بقيم مختلفة للثوابت الأساسية. في هذا السيناريو، فإننا ببساطة نعيش في الكون الذي تسمح فيه الظروف بوجود الحياة. بينما يفضل آخرون البحث عن تفسيرات فيزيائية جديدة يمكن أن تفسر لماذا تأخذ الثوابت الأساسية القيم التي نراها.
أمثلة على الضبط الدقيق
هناك العديد من الأمثلة التي تدل على هذا الضبط الدقيق، منها:
- القوة النووية القوية: لو كانت أضعف بنسبة قليلة، لما استطاعت النواة الذرية أن تبقى متماسكة.
- الفرق في الكتلة بين البروتون والنيوترون: يؤثر هذا الفرق بشكل كبير على استقرار المادة وتكوين العناصر الكيميائية.
- كثافة الطاقة المظلمة: تحدد هذه الكثافة معدل توسع الكون ومصيره النهائي.
وفي هذا الصدد، يرى البروفيسور منيب العيد أن دقة هذه القيم تشير إلى وجود “قدرة خارقة” وراء الكون. أما الفيزيائي فريد هويل فقد صرح أن الكون يبدو وكأنه “عملية احتيال” مدبرة من قبل ذكاء فائق.
تستمر الأبحاث في هذا المجال بوتيرة متسارعة، مع تطوير تقنيات قياس جديدة ونماذج فيزيائية أكثر دقة. تشير التوقعات إلى أن المزيد من التجارب والملاحظات الفلكية ستجرى في السنوات القادمة، بهدف الحصول على فهم أعمق لطبيعة الثوابت الأساسية وتطورها المحتمل. ومن المتوقع أن يتم الإعلان عن نتائج جديدة في مؤتمر الفيزياء الفلكية الدولي في عام 2026، مما قد يقدم رؤى جديدة حول هذه المسألة المعقدة.















