أظهرت أعمال التنقيب الأثرية في مدينة سيدرا القديمة، الواقعة في قضاء ألانيا بولاية أنطاليا جنوب تركيا، اكتشافًا هامًا يؤكد مكانة المدينة كمركز رئيسي لإنتاج زيت الزيتون في العصور القديمة. فقد كشفت هذه الأعمال عن وجود أكثر من 100 معصرة زيتون داخل حدود المدينة، مما يلقي الضوء على أهمية هذا المنتج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة على مر العصور. هذه الاكتشافات تعيد كتابة تاريخ المنطقة وتوفر فهمًا أعمق للحياة في شرق البحر الأبيض المتوسط.

مدينة سيدرا: تاريخ عريق ومركز لإنتاج زيت الزيتون

تتمتع مدينة سيدرا بتاريخ غني يعود إلى حوالي ثلاثة آلاف عام، حيث شهدت حضارات متعددة تعاقبت عليها، بدءًا من العصر الهلنستي مرورًا بالعصور الرومانية والبيزنطية وصولًا إلى الفترة السلجوقية. هذا التنوع الحضاري يجعل من سيدرا نموذجًا فريدًا لفهم تطور الحياة في المنطقة. ولكن، ما يميز سيدرا بشكل خاص هو الأدلة القوية على إنتاج زيت الزيتون على نطاق واسع ومنظم.

اكتشافات معاصر الزيتون: دليل على نشاط اقتصادي مكثف

أفاد رئيس البعثة الأثرية، إرتوغ إرغورر، بأن معاصر الزيتون هي من بين أكثر العناصر المعمارية التي تم العثور عليها خلال أعمال التنقيب. حتى الآن، تم الكشف عن حوالي 20 معصرة زيتون بشكل كامل، بالإضافة إلى توثيق وجود أكثر من 100 معصرة أخرى موزعة في أنحاء المدينة المختلفة. هذا العدد الكبير يشير بوضوح إلى أن إنتاج زيت الزيتون لم يكن مجرد نشاط منزلي محدود، بل كان يمثل نشاطًا اقتصاديًا واسع النطاق.

معاصر الزيتون داخل النسيج العمراني: ميزة فريدة

ما يميز سيدرا عن العديد من المدن الأثرية الأخرى هو موقع معاصر الزيتون داخل النسيج العمراني نفسه، وليس خارج أسوار المدينة كما هو الحال في معظم المواقع القديمة الأخرى. يشير إرغورر إلى أن هذا يدل على أن إنتاج الزيت كان جزءًا لا يتجزأ من الحياة اليومية للسكان، وليس مجرد نشاط هامشي. بالإضافة إلى ذلك، تظهر الأنماط المعمارية للمباني السكنية أن الطوابق السفلية كانت مخصصة للورش والمعاصر، بينما كانت الطوابق العلوية تستخدم للسكن، مما يؤكد هذا التكامل بين الإنتاج والحياة اليومية.

إعادة تشغيل معصرة زيتون أثرية: نافذة على الماضي

في عام 2024، تمكنت الفرق الأثرية من توثيق معصرة زيتون في الجهة الجنوبية الغربية من المدينة، وكانت جميع عناصرها المعمارية وأدواتها في مواضعها الأصلية. تم ترميم هذه المعصرة وإعادة تشغيلها بصريًا، وأصبحت الآن جزءًا من المسار السياحي. سيتم فتح المعصرة بالكامل أمام الزوار قريبًا، مما سيتيح لهم فرصة فريدة لفهم مراحل إنتاج زيت الزيتون في العصور القديمة، بدءًا من طحن الثمار وصولًا إلى التخزين والنقل.

وعاء التخزين “بيثوس”: عنصر أساسي في عملية الإنتاج

تضم المعصرة أيضًا وعاء تخزين ضخمًا يُعرف باسم “بيثوس” (Pithos)، والذي كان يستخدم لتجميع زيت الزيتون بعد عصره. هذا الوعاء الضخم يمثل جزءًا هامًا من عملية الإنتاج ويقدم لمحة عن التقنيات المستخدمة في تخزين الزيت والحفاظ عليه.

سيدرا والتجارة المتوسطية: دور محوري في الاقتصاد القديم

يشير إرغورر إلى أن القرن الرابع الميلادي شهد اضطرابات كبيرة في غرب الإمبراطورية الرومانية، مما أدى إلى انتقال السكان والنشاط الاقتصادي نحو الأناضول. في هذه المرحلة، شهدت المنطقة زيادة ملحوظة في الإنتاج الزراعي، بما في ذلك زيت الزيتون. لعبت مدينة سيدرا دورًا محوريًا في هذا السياق، حيث كانت تنتج أيضًا أواني النقل الخاصة بها، وتصدر المنتجات على الأرجح عبر ميناء يُعرف باسم “آدا طاش” إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط الأخرى.

الإنتاج والتصدير: دليل على شبكة تجارية واسعة

يؤكد إرغورر أن عدد المعاصر مقارنة بعدد السكان كبير جدًا، مما يؤكد أن الإنتاج لم يكن مخصصًا للاستهلاك المحلي فقط، بل كان موجهاً للتصدير ضمن شبكة تجارية واسعة. هذا يشير إلى أن سيدرا لم تكن مجرد مركز إنتاج، بل كانت أيضًا مركزًا تجاريًا هامًا في المنطقة. بالإضافة إلى ذلك، لا تزال أعمال تجهيز مسارات الزيارة ومناطق الاستقبال مستمرة داخل الموقع، مما يعكس الجهود المبذولة لجعل هذا الموقع الأثري وجهة سياحية بارزة.

في الختام، تُظهر الاكتشافات الأثرية في مدينة سيدرا الأهمية الكبيرة لإنتاج زيت الزيتون في العصور القديمة، وتلقي الضوء على الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمنطقة. هذا الموقع الأثري الفريد يقدم فرصة لا تقدر بثمن لفهم تاريخ المنطقة وثقافتها، ويعد وجهة سياحية واعدة للباحثين والزوار على حد سواء. ندعوكم لزيارة سيدرا واستكشاف كنوزها الأثرية بأنفسكم.

شاركها.
اترك تعليقاً