في ظل تداعيات الحرب المستمرة على قطاع غزة، كشف تقرير حديث لصحيفة هآرتس الإسرائيلية عن ارتفاع مقلق في حالات الانتحار في الجيش الإسرائيلي. حيث سجل عام 2025 عددًا من حالات الانتحار لم يشهد له الجيش الإسرائيلي مثيلًا منذ عام 2010، مما يثير تساؤلات جدية حول الأثر النفسي العميق للحرب على الجنود. هذا الارتفاع يتطلب تحليلًا معمقًا للعوامل المساهمة، ويضع الضوء على ضرورة توفير دعم نفسي كافٍ للعسكريين.
ارتفاع حالات الانتحار.. أرقام مقلقة
بلغ عدد الجنود الإسرائيليين الذين أقدموا على الانتحار في عام 2025، 22 حالة، وهو رقم يقترب من أعلى مستوى سجل في عام 2010، والذي شهد 28 حالة انتحار عقب عملية “الرصاص المصبوب”. جاءت آخر هذه الحالات بعد انتحار جندي من وحدة الهندسة القتالية الأربعاء الماضي، مما دفع السلطات إلى فتح تحقيق رسمي لتحديد الأسباب.
تظهر الإحصائيات تفصيلاً دقيقًا للحالات، حيث شملت 12 مجندًا إلزامياً و9 من قوات الاحتياط. كما أن توزيع الحالات الجغرافية يوضح أن 14 حالة وقعت خارج القواعد العسكرية، و8 حالات داخلها. هذه البيانات تشير إلى أن الأزمة تتجاوز حدود المعسكرات، وتمتد لتشمل الجنود في حياتهم اليومية.
الحرب على غزة.. المحرك الرئيسي للأزمة
يرى العديد من المراقبين والمصادر العسكرية أن الحرب على غزة والتي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، هي السبب الرئيسي وراء هذا الارتفاع الملحوظ في حالات الصحة النفسية المتدهورة بين الجنود. فمنذ بداية الحرب وحتى نهاية عام 2023، تم تسجيل 7 حالات انتحار.
وقد ارتفع العدد الإجمالي لحالات الانتحار من 17 في عام 2023 إلى 21 حالة في عام 2024، وهو ما يمثل زيادة كبيرة مقارنة بمتوسط 12 حالة سنوية في العقد الذي سبق الحرب. على الرغم من أن الجيش الإسرائيلي يشدد على عدم وجود عامل موحد بين جميع الحالات، إلا أن المصادر العسكرية تؤكد أن “مشاهد وأحداث قاسية في الحرب” لعبت دورًا كبيرًا في تدهور الحالة النفسية للجنود.
معاناة الجنود وتأثير القتال
خمسة من الجنود المنتحرين كانوا يتلقون بالفعل رعاية نفسية بسبب معاناتهم من مشاكل نفسية سابقة. وقد صرح خبير مسيّرات رفيع المستوى قبل انتحاره بأنه “لم يعد قادرًا على تحمل آثار القتال”. هذه التصريحات المباشرة تضع أمامنا صورة قاتمة عن حجم الضغوط النفسية التي يتعرض لها الجنود في ساحة المعركة. التعامل المستمر مع الموت والدمار، واتخاذ قرارات مصيرية، كلها عوامل تساهم في تراكم الصدمات النفسية.
أزمة تتعدى الخدمة الفعلية
لا تقتصر أزمة الانتحار على الجنود الذين ما زالوا في الخدمة الفعلية. يشير التقرير إلى أن الأرقام المذكورة لا تشمل الجنود الذين انتحروا بعد تسريحهم من الخدمة. وتقدر وزارة الدفاع الإسرائيلية أن عدد الجنود السابقين الذين أنهوا حياتهم بعد انتهاء خدمتهم العسكرية خلال الحرب يقارب 15 جنديًا.
هذا الأمر يضيف بعدًا جديدًا للأزمة، ويسلط الضوء على أهمية المتابعة النفسية والاجتماعية للجنود حتى بعد عودتهم إلى الحياة المدنية. فقد يعانون من اضطراب ما بعد الصدمة، أو مشاكل في التأقلم مع الحياة الطبيعية، مما يزيد من خطر انتحارهم.
استجابة رسمية وتوقعات مستقبلية
أمام هذه الأزمة المتفاقمة، شكل وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس ورئيس الأركان السابق هرتسي هاليفي لجنة لدراسة القضية واقتراح الحلول. وقد قدمت اللجنة توصياتها يوم الثلاثاء الماضي، والتي تضمنت تقديم دعم أولي لأسر الجنود المنتحرين، خاصة في الحالات التي يثبت فيها وجود علاقة بين الانتحار والخدمة العسكرية.
ومع ذلك، يحذر مسؤولون في الجيش من أن عام 2026 قد يكون الأصعب نفسيًا، وذلك بسبب تراكم آثار الحرب واستمرار القتال. لذلك، من المتوقع أن يتم تعيين عناصر مختصة في مختلف الوحدات لمتابعة الصحة النفسية للجنود والعمل على منع المزيد من حالات الانتحار. يشمل ذلك توفير جلسات علاجية، وتنظيم ورش عمل للتوعية بأهمية الصحة النفسية، وتوفير خطوط ساخنة للجنود الذين يحتاجون إلى مساعدة.
الخلاصة
إن ارتفاع حالات الانتحار في الجيش الإسرائيلي يمثل ناقوس خطر يدق بشدة، ويستدعي تحركًا سريعًا وفعالًا من جميع الأطراف المعنية. فالحرب على غزة قد تركت ندوبًا عميقة في نفوس الجنود، وهو ما يتطلب توفير رعاية نفسية شاملة ومستمرة، سواء أثناء الخدمة أو بعدها. إن تجاهل هذه الأزمة قد يؤدي إلى تفاقمها، وتكبد الجيش الإسرائيلي خسائر أكبر على المدى الطويل. نتمنى أن تتخذ القيادة الإسرائيلية خطوات جادة لمعالجة هذه المشكلة، وحماية حياة جنودها.
يمكنك متابعة آخر التطورات المتعلقة بالصحة النفسية للجنود عبر زيارة موقع الجيش الإسرائيلي أو وزارة الدفاع الإسرائيلية.















