في السنوات الأخيرة، شهد قطاع التكنولوجيا تطورات متسارعة، خاصة مع الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي. لكن هذا التقدم يأتي بتحديات جديدة، أبرزها النقص المتوقع في رقائق الكمبيوتر وتأثيره الوشيك على أسعار الأجهزة الإلكترونية. تشير التوقعات إلى ارتفاع محتمل في أسعار الهواتف الذكية وأجهزة الحاسوب والأجهزة المنزلية بنسبة تصل إلى 20% هذا العام، وهو ما يثير قلق المستهلكين والمحللين على حد سواء. هذا المقال سيتناول بالتفصيل أسباب هذا النقص المتوقع، والتأثيرات المحتملة على السوق، واستعداد الشركات لمواجهة هذه الأزمة.
أسباب نقص إمدادات رقائق الكمبيوتر وارتفاع الأسعار
يعزى السبب الرئيسي لهذا النقص المتوقع إلى الزيادة الهائلة في الطلب على أشباه الموصلات المتقدمة، خاصة تلك المستخدمة في مراكز البيانات التي تدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي. هذا الطلب المتزايد دفع شركات تصنيع الرقائق إلى إعادة توجيه إنتاجها نحو تلبية احتياجات الذكاء الاصطناعي، مما أدى إلى تقليل التركيز على الرقائق الأقل تكلفة المستخدمة في الأجهزة الاستهلاكية.
بالإضافة إلى ذلك، ساهمت بعض العوامل الأخرى في تفاقم الوضع، مثل:
- التعقيدات الجيوسياسية: التوترات العالمية والإجراءات الحمائية يمكن أن تعطل سلاسل التوريد وتزيد من صعوبة الحصول على الرقائق.
- الاستثمار المحدود في مرافق التصنيع: بناء وتشغيل مصانع جديدة لإنتاج الرقائق يتطلب استثمارات ضخمة، وقد يكون هناك تردد في القيام بذلك بسبب المخاطر الاقتصادية.
- جائحة كوفيد-19: أدت الجائحة إلى تعطيل الإنتاج وزيادة الطلب على الأجهزة الإلكترونية، مما أدى إلى نقص مؤقت في الرقائق. وعلى الرغم من انتهاء الجائحة، إلا أن آثارها لا تزال محسوسة.
تحذيرات من كبرى شركات التكنولوجيا
لم تخف كبرى شركات تصنيع الإلكترونيات مخاوفها بشأن هذا النقص. فقد حذرت شركات مثل ديل ولينوفو وراسبيري باي وشاومي من أن نقص رقائق الذاكرة سيؤدي حتما إلى ارتفاع التكاليف وضرورة رفع الأسعار على المستهلكين.
تصريحات المسؤولين التنفيذيين في هذه الشركات كانت واضحة في هذا الصدد، فعلى سبيل المثال، صرح جيف كلارك، الرئيس التنفيذي للعمليات في شركة ديل، بأن الشركة لم تشهد قط ارتفاعًا في التكاليف بهذا المعدل، وأن التأثير سينعكس حتماً على المستهلكين.
كما وصفت شركة راسبيري باي ضغوط التكاليف بأنها “مؤلمة”، مما دفعها إلى رفع أسعار أجهزة الكمبيوتر الخاصة بها في ديسمبر الماضي. من ناحية أخرى، قامت شركة لينوفو بتخزين رقائق الذاكرة والمكونات الأساسية الأخرى تحسبًا لزيادة محتملة في الأسعار.
تأثير الذكاء الاصطناعي المتزايد على سوق الرقائق
كما ذكرنا سابقًا، فإن النمو الهائل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي هو المحرك الرئيسي لزيادة الطلب على الرقائق المتطورة. تتطلب هذه التطبيقات معالجة كميات هائلة من البيانات، وهو ما يتطلب استخدام رقائق ذاكرة وصول عشوائي دينامية (DRAM) ذات نطاق ترددي عالي.
ونتيجة لذلك، شهدت أسعار هذه الرقائق ارتفاعًا كبيرًا في الفترة الأخيرة. وتوقعت شركة أبحاث السوق TrendForce أن ترتفع أسعار DRAM، بما في ذلك رقائق HBM، بنسبة تتراوح بين 50% و 55% في الربع الأخير من عام 2025 مقارنة بالربع السابق.
هذا الارتفاع في الأسعار يؤثر بشكل مباشر على تكلفة إنتاج الأجهزة الإلكترونية، مما يدفع الشركات إلى رفع أسعارها أو تقليل هوامش ربحها. هذا بدوره سيؤثر على القدرة الشرائية للمستهلكين.
توقعات مستقبلية واستعداد الشركات
تظهر التوقعات أن الوضع لن يتحسن قريبًا. فقد أعلنت شركتا سامسونغ وإس كي هاينكس الكوريتان، وهما أكبر شركتين مصنّعتين لرقائق الذاكرة في العالم، أن طلبات عام 2026 على DRAM تجاوزت بالفعل الطاقة الإنتاجية المتاحة.
وتقدر الاستثمارات المتوقعة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بـ 620 مليار دولار أمريكي في عام 2026، بزيادة عن 470 مليار دولار في عام 2025. وتشير التقديرات إلى أن الإنفاق العالمي على مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي والأجهزة ذات الصلة قد يصل إلى 2.9 تريليون دولار بحلول عام 2028.
لمواجهة هذه الأزمة، تتخذ الشركات بعض الإجراءات، مثل:
- تنويع مصادر التوريد: البحث عن موردين جدد لرقائق الكمبيوتر لتقليل الاعتماد على مورد واحد.
- تخزين الرقائق: احتفاظ مخزون كاف من الرقائق لتلبية الطلب في حالة حدوث نقص.
- التركيز على الكفاءة: تحسين كفاءة استخدام الرقائق في المنتجات المختلفة لتقليل الحاجة إلى رقائق جديدة.
- التعاون مع شركات تصنيع الرقائق: إقامة شراكات مع شركات تصنيع الرقائق لضمان الحصول على إمدادات ثابتة.
خلاصة
من الواضح أن نقص إمدادات الرقائق يمثل تحديًا كبيرًا لقطاع التكنولوجيا. الزيادة الهائلة في الطلب الناتج عن النمو المتسارع للذكاء الاصطناعي، بالإضافة إلى العوامل الأخرى التي ذكرناها، تُنذر بارتفاع وشيك في أسعار الأجهزة الإلكترونية. يجب على الشركات والمستهلكين الاستعداد لهذه التغييرات، واتخاذ الإجراءات اللازمة للتخفيف من آثارها.
من المهم البقاء على اطلاع دائم بآخر التطورات في سوق الرقائق، ومتابعة تحليلات الخبراء، واتخاذ قرارات مستنيرة بناءً عليها. الأيام القادمة ستكون حاسمة لتحديد كيفية تطور هذا الوضع، ومدى تأثيره على مستقبل التكنولوجيا.















