على سطح الجليد تحدث مفارقة لطيفة، حيث قد تتكون طبقة رقيقة “تشبه السائل” فوق الجليد وهو لا يزال صلبا، حتى عند درجات حرارة دون الصفر بكثير. هذه الظاهرة، المعروفة باسم الذوبان المبكر، لطالما أثارت فضول العلماء، والآن، بفضل تقنيات متطورة والاعتماد على إطارات قائمة على التعلم الآلي، تمكن الباحثون من الكشف عن تفاصيل جديدة حول بنية هذه الطبقة السطحية للجليد، وهو ما يساهم في فهم أعمق لظاهرة الذوبان المبكر.

اكتشاف تفاصيل بنية هذه الطبقة يمثل خطوة مهمة في فهم الخواص الفيزيائية والكيميائية للجليد، والتفاعلات التي تحدث على سطحه. هذا الفهم يمكن أن يكون له تأثيرات واسعة النطاق في مجالات متنوعة مثل علم الجليد، وهندسة المواد، وحتى التغيرات المناخية.

مجهر القوة الذرية يكشف أسرار الذوبان المبكر

لطالما كانت دراسة سطح الجليد في ظروف الذوبان المبكر تحديًا كبيرًا للعلماء. فالسطح يكون ديناميكيًا وغير مستقر، مما يجعل تصويره بدقة على المستوى الذري أمرًا معقدًا. الأدوات التقليدية مثل مجهر القوة الذرية (AFM) غالبًا ما تقدم صورًا معقدة يصعب تفسيرها لتحديد البنية الدقيقة للسطح.

قام فريق بحثي دولي بتطوير نهج جديد يجمع بين صور مجهر القوة الذرية ومحاكاة الديناميكيات الجزيئية، مع الاستعانة بإطار عمل يعتمد على التعلم الآلي. هذا الدمج يسمح بإعادة بناء بنية السطح بشكل أكثر دقة مما يمكن لأي أداة بمفردها.

تحديات قياس الذوبان المبكر

تكمن الصعوبة في أن الروابط الهيدروجينية بين جزيئات الماء على السطح تتغير باستمرار، والطبقات السطحية تتأثر بالديناميكية العالية. هذه العوامل تجعل الحصول على صورة ثابتة وواضحة للبنية الذرية أمرًا صعبًا، خاصة مع الأدوات التي تعتمد على المسح المباشر للسطح. بالإضافة إلى ذلك، تتأثر النتائج بشدة بالظروف التجريبية الدقيقة.

استخدام التعلم الآلي ساعد في معالجة هذه التعقيدات، من خلال تحليل كميات هائلة من البيانات التي تم الحصول عليها من مجهر القوة الذرية والمحاكاة، وتحديد الأنماط والعلاقات التي قد لا تكون واضحة للعين المجردة.

طبقة خاصة خفية تسبق الذوبان الشبه سائل

أظهرت النتائج أن عملية الذوبان المبكر لا تتم مباشرة، بل يسبقها تكون طبقة جليد “لا بلورية”. هذه الطبقة تتميز بترتيب غير منتظم لجزيئات الماء مقارنة بالبنية البلورية المعتادة، لكنها لا تزال تحتفظ ببعض خصائص الصلابة. هذا الاكتشاف يغير فهمنا التقليدي لكيفية تحول الجليد إلى الحالة شبه السائلة.

وتشير الدراسة إلى أن هذه الطبقة اللا بلورية تظهر في نطاق حراري ضيق بين 121 و 180 كلفن، وتمتلك شبكة روابط هيدروجينية “مضطربة ثنائية الأبعاد”. سلوك هذه الطبقة يوصف بأنه “شبه صلب”، أي أنها ليست سائلة تمامًا، ولكنها أيضًا ليست صلبة بنفس درجة الجليد البلوري. يدرس الباحثون أيضاً العلاقة بين هذا التشكل ومفهوم “الماء الفائق التبريد” (supercooled water).

هذا الاكتشاف له آثار مهمة على فهمنا لظواهر مثل الاحتكاك والانزلاق على الجليد، والتفاعلات الكيميائية التي تحدث على الأسطح المتجمدة. فالطبقة اللا بلورية قد تلعب دورًا رئيسيًا في تحديد هذه الخواص.

التعلم الآلي لعب دورًا حاسمًا في تحديد هذه الطبقة غير المتوقعة، والتي كانت ستظل غير مكتشفة باستخدام الطرق التقليدية. والبُعد الآخر هو أن هذه التقنيات تسمح بدراسة الظواهر السطحية المعقدة بدقة غير مسبوقة.

الخطوات التالية وتأثيرات محتملة

الخطوة التالية للباحثين هي إجراء المزيد من التحقيقات لتحديد الخواص الدقيقة للطبقة اللا بلورية، وكيف تتفاعل مع البيئة المحيطة، وكيف تؤثر على الخواص الكيميائية والفيزيائية للجليد. من المتوقع أن يتم نشر نتائج إضافية حول هذا الموضوع في الأشهر القليلة القادمة.

هذا البحث يفتح آفاقًا جديدة لفهم سلوك الماء في الظروف القاسية، وقد يؤدي إلى تطوير مواد جديدة ذات خواص فريدة. كما أنه يمكن أن يساعد في تحسين نماذج التنبؤ بتغير المناخ، من خلال تضمين تأثيرات الذوبان المبكر على ذوبان الجليد البحري والأنهار الجليدية. بالإضافة إلى ذلك، قد يكون له تطبيقات عملية في مجالات مثل تخزين المواد الغذائية و تصميم معدات التزلج، و فهم العمليات التي تحدث في الفضاء.

شاركها.
اترك تعليقاً