على مدار العام الماضي، باتت محاولة إرضاء دونالد ترامب أولوية قصوى لدى القادة الأوروبيين، في ظل تداعيات سياسية وأمنية معقدة. هذا السعي يهدف إلى كبح جماح نزعاته الأكثر تطرفًا، وضمان استمرار الدعم الأمريكي، خاصة في ما يتعلق بالحرب الروسية الأوكرانية، وهو ما يمثل أولوية استراتيجية قصوى لأوروبا. فالقارة العجوز، رغم كونها المانح الأكبر لكييف، تدرك تمامًا استحالة مواجهة العدوان الروسي بمفردها دون أسلحة أمريكية، أو تحقيق حلول مستدامة دون مشاركة واشنطن الفاعلة. هذا الواقع يفرض على أوروبا أعباءً جسيمة، تتجسد في الرسوم الجمركية العقابية التي فرضها ترامب، والمخاوف المتزايدة بشأن التزاماته الأمنية.
ترامب وأوروبا: مفاضلة صعبة بين الأمن والاقتصاد
تتجاوز تبعات سعي أوروبا لكسب رضا دونالد ترامب مجرد التنازلات الاقتصادية. فكما صرح المفوض الأوروبي للتجارة ماروش شيفتشوفيتش، الأمر يتعلق بشكل أساسي بالأمن والاستقرار الجيوسياسي. التعريفات الجمركية التي تصل إلى 15% على السلع الأوروبية ليست مجرد ضريبة، بل هي ورقة ضغط سياسية، تسعى من خلالها إدارة ترامب لفرض أجندتها على أوروبا.
الوضع تفاقم مع تصريحات ترامب الأخيرة حول إمكانية الاستيلاء على غرينلاند، وهو ما يضع الأوروبيين أمام اختبار صعب. فمن جهة، هناك واجب أخلاقي ودعم للدنمارك، الدولة صاحبة السيادة على الجزيرة. ومن جهة أخرى، هناك خوف مشروع من استياء ترامب وردود أفعاله غير المتوقعة، خاصةً في ظل الحاجة الملحة للدعم الأمريكي في أوكرانيا. هذه الديناميكية تخلق حالة من التوتر والقلق الدائم في العواصم الأوروبية.
اجتماع “تحالف الراغبين” وغموض الالتزامات الأمريكية
كشف اجتماع “تحالف الراغبين” في باريس، الذي استضافه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، عن هشاشة الموقف الأوروبي. الاجتماع، الذي يهدف إلى تعزيز الضمانات الأمنية لأوكرانيا، شهد مشاركة لافتة لكبير المفاوضين المعينين من قبل ترامب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، في أول ظهور لهما في محادثات بهذا المستوى.
في نهاية الاجتماع، أشاد ماكرون بـ “التقارب العملي” بين أوروبا والولايات المتحدة، بينما عبر رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر عن “تقدم ممتاز”. إلا أن هذا التفاؤل الظاهري سرعان ما اصطدم بواقع التهديدات الأمريكية لغرينلاند، مما أثار تساؤلات حول مدى الثقة في الالتزامات الأمريكية.
الصمت الأوروبي: هل هو استسلام أم تكتيك؟
أثار غياب إدانة صريحة للتهديدات الأمريكية على غرينلاند انتقادات واسعة. فعلى خلفية موقف مشابه تجاه الأحداث في فنزويلا، اختار الأوروبيون التركيز على الجوانب الإيجابية والتعاون مع الولايات المتحدة، متجنبين أي تصعيد قد يغضب ترامب.
هذا النهج “المشي على البيض” يثير الشكوك حول مدى قدرة أوروبا على الدفاع عن مصالحها وقيمها. ففي حين أن الحاجة إلى الدعم الأمريكي في أوكرانيا أمر لا جدال فيه، إلا أن التنازل عن مبادئ السيادة ووحدة الأراضي قد يؤدي إلى نتائج كارثية على المدى الطويل.
مخاطر انهيار النظام الأمني القائم
حذرت رئيسة الوزراء الدنماركية ميتي فريدريكسن من أن ضم غرينلاند بالقوة قد يؤدي إلى انهيار النظام الأمني الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية. هذا النظام، الذي استند إليه الحلفاء لسنوات طويلة، يواجه الآن تهديدًا وجوديًا، بسبب سعي أوروبا لإرضاء دونالد ترامب بأي ثمن.
ويرى مراقبون، مثل ماركوس زينر من صندوق مارشال الألماني، أن الأوروبيين عالقون في مأزق مزدوج. فهم بحاجة ماسة إلى الدعم الأمريكي في أوكرانيا، لكنهم في الوقت نفسه يخشون أن يؤدي أي انتقاد للإجراءات الأمريكية إلى تعريض هذا الدعم للخطر.
وأضاف زينر: “يخشى الأوروبيون أن يوفر انتقاد ترامب ذريعة للرئيس الأمريكي لإبرام اتفاق سلام على حساب أوكرانيا وأوروبا. هل يخلق ذلك فجوة في مصداقية الاتحاد الأوروبي؟ بالتأكيد. لكن في مواجهة رئيس أمريكي يتصرّف بمنطق أمريكي بحت، لا يبدو أن هناك خيارًا آخر.”
الخلاصة أن أوروبا تواجه تحديًا استراتيجيًا معقدًا، يتطلب منها إيجاد توازن دقيق بين الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة، والدفاع عن مبادئها وقيمها. مستقبل النظام الأمني العالمي قد يعتمد على كيفية تعامل أوروبا مع هذه المعادلة الصعبة.
الكلمات المفتاحية الثانوية: السياسة الأوروبية، الأمن القومي، علاقات عبر الأطلسي.















