Published On 8/1/2026 8/1/2026 | آخر تحديث: 22:56 (توقيت مكة) آخر تحديث: 22:56 (توقيت مكة)

انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي

تركيا توجّه رسالة واضحة لأوروبيا: حان وقت تحمل المسؤولية في الأمن القاري

وجهت تركيا، من خلال وزير خارجيتها هاكان فيدان، دعوة صريحة للدول الأوروبية لتحمل مسؤولية أكبر في حماية أمن القارة، متجاوزة الاعتماد التقليدي على الولايات المتحدة. تأتي هذه الدعوة في ظل تحولات جيوسياسية عميقة، أبرزها الحرب في أوكرانيا وتغير الأولويات الاستراتيجية لواشنطن. وتطرح هذه التطورات سؤالًا محوريًا حول مستقبل الأمن الأوروبي وقدرة القارة على الدفاع عن مصالحها بشكل مستقل.

تحول في الخطاب التركي تجاه الأمن الأوروبي

لم تعد أنقرة تنظر إلى أمن أوروبا على أنه قضية يمكن تفويضها بالكامل إلى حلفاء عبر الأطلسي. فالحرب في أوكرانيا كشفت عن هشاشة في النظام الأمني القائم، وضرورة وجود قدرات دفاعية أوروبية ذاتية. إن تصريحات فيدان تعكس تحولًا ملحوظًا في الموقف التركي، حيث باتت أنقرة تدعو بشكل أكثر وضوحًا إلى تعزيز الدفاع الأوروبي، مؤكدة أن أمن القارة أصبح مسألة وجودية.

الناتو والاتحاد الأوروبي: علاقة معقدة

تركيا، كعضو رئيسي في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وتمتلك ثاني أكبر جيش في الحلف، تساهم بشكل كبير في أمن أوروبا. ومع ذلك، لا تخفي أنقرة استياءها من استمرار استبعادها من الهياكل الدفاعية للاتحاد الأوروبي، على الرغم من كونها دولة مرشحة للعضوية.

تهميش أنقرة في المبادرات الأوروبية

أعرب وزير الخارجية التركي عن هذا الامتعاض خلال كلمته في لشبونة، منتقدًا ما وصفه بالتهميش المنهجي لتركيا في مبادرات الأمن والدفاع الأوروبية. وأشار إلى أن هذا الإقصاء مستمر على الرغم من التعهدات الرسمية بالتعاون مع دول خارج الاتحاد، ويعزى إلى “أجندات وطنية ضيقة” لبعض الدول الأعضاء. هذه المفارقة واضحة: دولة تساهم في حماية أمن أوروبا عبر الناتو تُستبعد من المشاريع الدفاعية الأوروبية المشتركة.

دوافع تركيا الاستراتيجية

ترى الخبيرة في السياسة الخارجية زينب جيزام أوزبينار أن الدعوة التركية ليست مجرد رد فعل على الأزمة الأوكرانية أو تراجع الدور الأمريكي، بل هي جزء من مقاربة استراتيجية أوسع. وتوضح أن أنقرة تدافع منذ سنوات عن مبدأي الاستقلالية الاستراتيجية وتقاسم الأعباء داخل المنظومة الأمنية الغربية، لكنها الآن تُعبر عن ذلك بوضوح أكبر.

وتضيف أن عودة احتمال اندلاع صراعات تقليدية في أوروبا، بالإضافة إلى تركيز الولايات المتحدة على منطقة المحيط الهادئ، كشفت عن نقاط ضعف هيكلية طالما حذرت منها تركيا. فأنقرة ترى أن أمن أوروبا لا يجب أن يعتمد بشكل كامل على ضمانات خارجية أو أن يكون “أمنًا مفوضًا” مرتبطًا بالسياسة الداخلية الأمريكية.

سد الفراغ الاستراتيجي و دور تركيا

يشير الباحث السياسي أحمد ضياء جوكلاب إلى أن الخطاب التركي يهدف إلى سد الفراغ الاستراتيجي الذي يظهر في القارة، مع انشغال الولايات المتحدة المتزايد بالمنافسة مع الصين. ويوضح أن تقليص العبء العسكري والمالي الأمريكي داخل الناتو وضع الدول الأوروبية أمام تحديات جديدة، وكشف عن محدودية استعدادها لمواجهة التهديدات الكبرى بمفردها.

فالحرب في أوكرانيا أكدت أن الأمن الجماعي يتطلب قوة عسكرية حقيقية وقدرة على الردع، وليست مجرد تعويلات سياسية. تطمح تركيا إلى أن تكون جزءًا فعالًا في أي بنية أمنية أوروبية جديدة، وتعزيز دورها كقوة إقليمية مؤثرة. التعاون الأمني يجب أن يكون شاملاً ويراعي القدرات والمصالح المشتركة.

الاستقلالية الإستراتيجية لأوروبا: هل يمكن تحقيقها بدون تركيا؟

يعتقد جوكلاب أن مساعي الاتحاد الأوروبي لتحقيق “الاستقلالية الإستراتيجية” من خلال مبادرات مثل التعاون الهيكلي الدائم أو صندوق الدفاع الأوروبي لن تنجح إذا استمر استبعاد تركيا. ويحذر من أن هذا النهج قد يترك الأجنحة الجنوبية والشرقية للقارة مكشوفة للمخاطر الجيوسياسية. إن إغفال دور تركيا في السياسة الدفاعية الأوروبية قد يكون له تداعيات سلبية على استقرار القارة.

الخلافات الثنائية، خاصة مع اليونان وقبرص، تعيق مشاركة تركيا في بعض المبادرات الدفاعية الأوروبية. ومع ذلك، يرى المحللون أن حل هذه الخلافات ضروري لبناء تعاون أمني أوروبي شامل وفعال.
في الختام، تدعو تركيا أوروبا إلى تحمل مسؤولية أمنها بشكل أكبر، في ظل التحولات العالمية الجديدة. هذه الدعوة ليست فقط مرتبطة بالحرب في أوكرانيا، بل هي جزء من رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء نظام أمني أوروبي أكثر استقلالية وشمولية. يبقى السؤال المطروح هو: هل ستستجيب أوروبا لهذه الدعوة وتقتنع بضرورة إشراك تركيا بشكل فعال في مستقبل علاقات الدفاع الأوروبي؟

شاركها.
اترك تعليقاً