في خضم تعقيدات الحرب الدائرة في أوكرانيا، وتصاعد التوترات الجيوسياسية، دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجا ميلوني إلى إعادة النظر في استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه روسيا. ترى ميلوني أن الحوار المباشر مع موسكو أصبح ضرورة ملحة، ليس كإقرار بالوضع الراهن، بل كآلية لضمان دور فاعل لأوروبا في أي عملية تفاوض مستقبلية. هذا الطرح يثير جدلاً واسعاً حول أفضل السبل لإنهاء النزاع، ويطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات بين أوروبا وروسيا. إن الحوار مع روسيا، كما تؤكد ميلوني، لا يعني التخلي عن أوكرانيا، بل هو استثمار في قدرة أوروبا على التأثير في مسار الأحداث.
دعوة ميلوني لاستئناف الحوار: ضرورة أوروبية أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
أكدت ميلوني خلال مؤتمر صحفي أن الاقتصار على التواصل مع طرف واحد فقط من أطراف النزاع يحد بشكل كبير من قدرة الاتحاد الأوروبي على تقديم مساهمة حقيقية في عملية السلام. وأوضحت أن هذا النهج ترك الساحة مفتوحة لواشنطن لقيادة المفاوضات، بينما تسعى الدول الأوروبية للتأثير في الجهود الأمريكية دون وجود إطار أوروبي موحد. هذا الوضع، حسب قولها، غير مقبول ويتطلب تصحيحاً عاجلاً.
وأضافت أن موقفها يتطابق مع رؤية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الذي أشار في ديسمبر الماضي إلى أهمية إعادة التواصل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من أجل إيجاد حل للحرب. وتوافق ميلوني مع ماكرون يؤكد على وجود تيار متزايد داخل أوروبا يدعو إلى إعادة تقييم استراتيجية التعامل مع روسيا. مسألة العلاقات الأوروبية الروسية معقدة، وتتطلب فهماً عميقاً للمصالح المتضاربة والتحديات الجيوسياسية.
تحديات تمثيل الاتحاد الأوروبي في المفاوضات
أقرّت ميلوني بوجود صعوبات في تحديد الجهة التي يجب أن تمثل الاتحاد الأوروبي في أي حوار مباشر مع روسيا. وأشارت إلى أن تعدد الأصوات وتنوع المقترحات المطروحة قد أدى إلى إرباك في المشهد التفاوضي. وللتغلب على هذه الإشكالية، اقترحت ميلوني تعيين مبعوث أوروبي خاص بملف أوكرانيا، مهمته التواصل المباشر مع جميع الأطراف المعنية وتلخيص المواقف، بهدف تمكين أوروبا من التحدث بصوت واحد.
هذا الاقتراح يهدف إلى تجنب إعادة فتح الحوار مع روسيا بطريقة غير منظمة، والتي قد تكون لها نتائج عكسية وتصب في مصلحة بوتين بدلاً من خدمة المصالح الأوروبية.
الدعم المستمر لأوكرانيا ورفض التدخل العسكري المباشر
على الرغم من دعوتها إلى الحوار، أكدت ميلوني أن إيطاليا لا تزال من الداعمين الثابتين لأوكرانيا منذ بداية الحرب. وشددت على أن روما لن ترسل قوات إلى أوكرانيا للمساعدة في ضمان أي اتفاق سلام، وذلك في الوقت الذي تشير فيه التقارير إلى أن فرنسا وبريطانيا قد وقعتا إعلان نوايا بشأن احتمال نشر قوات متعددة الجنسيات في أوكرانيا بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار.
هذا الموقف الإيطالي يعكس حذرًا أوروبيًا تجاه أي تصعيد عسكري مباشر، وتفضيلًا للدبلوماسية والحوار كسبيل وحيد لإنهاء النزاع. بالإضافة إلى ذلك، تعكس هذه السياسة قناعة بأن التدخل العسكري المباشر قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة وتوسيع نطاق الحرب.
جمود المفاوضات وتصاعد القتال
تأتي تصريحات ميلوني في وقت يشهد فيه مسار المفاوضات جموداً ملحوظاً. الجهود التي يبذلها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم تفضِ حتى الآن إلى أي اختراق ملموس، وموسكو لم تُبدِ استعداداً لتقديم تنازلات، خاصة بعد أن دفعت كييف باتجاه تعديل مقترح أمريكي كان يميل في البداية إلى تلبية المطالب الروسية الرئيسية.
تصاعد القتال الميداني مؤخراً، حيث تعرضت أحياء في كييف لغارات جوية روسية، أدت إلى مقتل وإصابة العشرات. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية شنها ضربات استهدفت “أهدافًا استراتيجية” داخل أوكرانيا، باستخدام صواريخ فرط صوتية. هذا التصعيد يؤكد على صعوبة التوصل إلى حل سلمي للأزمة في المدى القصير، ويجعل دعوة ميلوني إلى الحوار أكثر إلحاحاً.
مستقبل روسيا في الساحة الدولية
فيما يتعلق بمستقبل روسيا في الساحة الدولية، استبعدت ميلوني أي نقاش قريب بشأن عودتها إلى مجموعة السبع، معتبرة أن هذا الطرح لا يزال سابقاً لأوانه. وأكدت أن انضمام روسيا إلى المجموعة يبدو مستحيلاً في ظل الظروف الراهنة.
هذا الموقف يعكس حالة عدم الثقة المتزايدة بين أوروبا وروسيا، ويدل على أن إعادة بناء العلاقات بينهما ستتطلب وقتاً طويلاً وجهوداً مضنية. في الوقت الحالي، يبدو أن المستقبل يحمل المزيد من التحديات والتعقيدات، وأن الحوار مع روسيا لا يزال يواجه عقبات كبيرة.
في الختام، تمثل دعوة جورجا ميلوني إلى استئناف الحوار مع روسيا نقطة تحول محتملة في استراتيجية الاتحاد الأوروبي تجاه الأزمة الأوكرانية. وعلى الرغم من التحديات والصعوبات التي تواجه هذا المسار، إلا أن ميلوني ترى أنه ضروري لضمان دور فاعل لأوروبا في عملية السلام، وتجنب الوقوع في دائرة من التصعيد والجمود. يبقى السؤال المطروح هو: هل ستتمكن أوروبا من التحدث بصوت واحد، وهل ستستجيب روسيا لهذه الدعوة؟
Keywords: الحوار مع روسيا (Dialogue with Russia), العلاقات الأوروبية الروسية (European-Russian relations), الدعم لأوكرانيا (Support for Ukraine).















