لم تكن هوليود عبر تاريخها مجرد عاصمة لصناعة السينما، بل منصة انطلاق للأساطير، وملتقى الأحلام والكوابيس. على مدار قرن كامل، شكلت أفلامها ورواياتها تصورات العالم عن ذاته، وصاغت أبطاله ورموزه الخالدة. كانت شريكًا أساسيًا في تنشئة الأجيال، وساهمت بفاعلية في نشر النموذج الغربي، فلم تكتف بسرد القصص، بل منحتها إيقاعًا فريدًا، وبطولة آسرة، وأملًا جذابًا، وحتى وهمًا جميلًا. لكن، مع مرور الوقت، بدأت أضواء هوليود تخفت، وتتراجع مكانتها كمركز وحيد للإبداع السينمائي. فهل هذا يعني نهاية حقبة، وبداية عصر جديد للسينما العالمية؟ هذا ما سنستعرضه في هذا المقال.

تراجع هوليود: هل فقدت عرشها؟

يشهد عالم السينما تحولات جذرية، مدفوعة بالتقدم التكنولوجي، والتغيرات السياسية والاجتماعية والاقتصادية. هذه التحولات تعيد تشكيل ذائقة الأجيال الجديدة، وتدفعهم نحو محتوى أكثر تنوعًا وشمولية. يعترف كبار صناع السينما في هوليود بأن المدينة تواجه لحظة فارقة، وتتأثر مكانتها بشكل متزايد. لم تعد هوليود تحتكر صناعة الأفلام، بل باتت تواجه منافسة شرسة من مراكز سينمائية ناشئة حول العالم.

دور التكنولوجيا في إعادة رسم الخرائط السينمائية

أحد أهم العوامل التي ساهمت في تراجع نفوذ هوليود هو انخفاض تكلفة إنتاج الأفلام. التكنولوجيا الرقمية جعلت أدوات الإنتاج السينمائي متاحة على نطاق أوسع، مما سمح لعدد أكبر من المخرجين والمنتجين بإنشاء أعمالهم دون الحاجة إلى الاعتماد على الاستوديوهات الكبيرة في هوليود. هذا الانتشار في الإنتاج أدى إلى ظهور موجات سينمائية جديدة من آسيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية، والتي تقدم أساليب وموضوعات مختلفة، وتجذب جمهورًا عالميًا متزايدًا. صناعة السينما باتت الآن أكثر ديمقراطية، وأقل مركزية.

ارتفاع تكاليف الإنتاج في هوليود

بالإضافة إلى ذلك، شهدت تكاليف الإنتاج في هوليود ارتفاعًا ملحوظًا، بسبب ارتفاع أجور الممثلين والكتاب والفنيين، وارتفاع تكاليف المواقع والتصاريح. هذا الارتفاع في التكاليف دفع العديد من الاستوديوهات إلى تأجيل أو نقل إنتاجاتها إلى بلدان أخرى تقدم حوافز ضريبية أكبر، وتكاليف إنتاج أقل. كندا والمملكة المتحدة وأوروبا الشرقية أصبحت وجهات مفضلة لإنتاج الأفلام الضخمة.

الإحصائيات الصادمة وتأثير الإضرابات

تتضح علامات التراجع في الإحصائيات الصادرة عن مؤسسات متخصصة في رصد حركة إنتاج الأفلام. تشير بيانات مؤسسة (ProdPro) إلى أن إنتاج الأفلام والبرامج التلفزيونية في الولايات المتحدة انخفض بشكل حاد في أعقاب إضرابات الكتاب والممثلين في عام 2023. وشهدت لوس أنجلوس أحد أضعف أعوامها الإنتاجية منذ أكثر من عقد.

اعتراف المخرج الأمريكي المخضرم مارتن سكورسيزي بأن المركزية التاريخية لهوليود لم تعد قائمة، يمثل علامة فارقة. ففي مقابلة مع مجلة “سايت آند ساوند”، أكد أن السينما العالمية اليوم “لم تعد تدور حول مركز واحد”.

صعود منصات البث الرقمي وتغيير قواعد اللعبة

تعتبر منصات البث الرقمي مثل نتفليكس وأمازون برايم فيديو من أبرز العوامل التي ساهمت في تغيير قواعد اللعبة في صناعة السينما. هذه المنصات غيرت طرق تقييم الأفلام، ومعايير تكلفة الإنتاج، ومعايير النجاح. فلم تعد الإيرادات من شباك التذاكر هي المقياس الوحيد للنجاح، بل أصبحت “ساعات المشاهدة” مؤشرًا رئيسيًا للأداء.

نجاحات عالمية بعيدًا عن هوليود

أثبتت مسلسلات مثل “البروفيسور” (Money Heist) من إسبانيا و”لعبة الحبار” (Squid Game) من كوريا الجنوبية قدرة المحتوى العالمي على تحقيق نجاح عالمي دون الاعتماد على استوديوهات هوليود. هذه النجاحات تقدم دليلًا قاطعًا على أن القصة الجيدة يمكن أن تجذب الجمهور بغض النظر عن مكان إنتاجها. الإنتاج السينمائي العالمي أصبح يعتمد بشكل متزايد على هذا النموذج.

مستقبل دور العرض السينمائي

بالتزامن مع صعود منصات البث، يواجه دور العرض السينمائي تحديات كبيرة. فقد انخفض عدد مرتادي هذه الدور بشكل ملحوظ، خاصة بعد جائحة كورونا. بعض سلاسل دور السينما الكبرى في الولايات المتحدة أغلقت فروعها أو أعادت هيكلة ديونها، بينما تبنت الاستوديوهات بشكل متزايد فترات عرض سينمائية أقصر أو تجاوزت دور العرض تمامًا لصالح العروض الأولى عبر المنصات الرقمية. يرى تيد سارانوس، الرئيس التنفيذي المشارك لمنصة نتفليكس، أن فكرة الذهاب إلى السينما كطقس جماعي لم تعد الخيار الأول للكثيرين.

نحو سينما عالمية أكثر تنوعًا

باختصار، يبدو أن هوليود تتجه نحو فقدان هيمنتها على صناعة السينما العالمية. هذا لا يعني بالضرورة نهاية هوليود، بل يعني بداية عصر جديد للسينما العالمية، يتميز بالتنوع والشمولية والمنافسة الشرسة. الرابح الأكبر في هذا التحول ليس بلدًا بعينه، بل النموذج العالمي المفتوح للإنتاج والتوزيع، والذي يتيح للقصص الجيدة أن تُروى وتُسمع بغض النظر عن مكانها أو لغتها أو نجومها. السينما العالمية تستعد لمستقبل واعد.

هل ستتمكن هوليود من التكيف مع هذه التغيرات واستعادة مكانتها؟ أم أنها ستصبح مجرد جزء من منظومة سينمائية عالمية أكبر وأكثر تعقيدًا؟ هذا ما ستكشف عنه السنوات القادمة. شاركنا برأيك حول مستقبل السينما في التعليقات!

شاركها.
اترك تعليقاً