تزايدت الاحتجاجات في دول أوروبية عدة، وعلى رأسها إيرلندا وفرنسا، ضد اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل “ميركوسور” لأمريكا الجنوبية. هذه الاتفاقية، التي تمت الموافقة عليها مؤخرًا من قبل دول الاتحاد الأوروبي بالرغم من معارضة البعض، تثير مخاوف كبيرة لدى المزارعين الأوروبيين بشأن مستقبل القطاع الزراعي وتنافسيته. يتوقع أن يؤدي الاتفاق إلى تدفق منتجات زراعية أرخص من أمريكا الجنوبية، مما قد يضر بالمنتجين المحليين ويخفض معايير الجودة.

اتفاقية ميركوسور: شرارة الاحتجاجات الزراعية في أوروبا

الاحتجاجات الأخيرة ليست مجرد رد فعل عابر؛ بل هي تتويج لسنوات من القلق والمعارضة التي تبديها النقابات الزراعية والحكومات في بعض الدول الأعضاء. يوم السبت الماضي، شهدت كل من إيرلندا وفرنسا تظاهرات حاشدة، شارك فيها آلاف المزارعين تعبيرًا عن رفضهم للاتفاقية. ركزت هذه التظاهرات على المخاوف من عدم تكافؤ الفرص بين المنتجين الأوروبيين ونظرائهم في دول ميركوسور.

احتجاجات إيرلندا وفرنسا: تصاعد الغضب الميداني

في إيرلندا، تجمع المزارعون وجراراتهم في بلدة صغيرة بين دبلن وغالواي، رافعين لافتات تطالب بـ “دعم الزراعة الإيرلندية” ورفض “اتفاق الاتحاد الأوروبي-ميركوسور“. وأعربت جمعية المزارعين الإيرلنديين عن خيبة أملها الشديدة من الضوء الأخضر الذي أعطاه الاتحاد الأوروبي للاتفاقية، مؤكدةً أنها ستركز جهودها على حشد أغلبية معارضة في البرلمان الأوروبي. كما أكد رئيس الجمعية، فرانسي غورمان، على ضرورة وقوف النواب الإيرلنديين إلى جانب المزارعين ورفض الاتفاق.

أما في فرنسا، فقد تصاعدت الاحتجاجات بشكل ملحوظ، حيث اقتحم المزارعون مستودعًا للوقود بالقرب من بوردو، مما استدعى تدخل الشرطة. وفي محاولة لتعطيل حركة النقل، حاولوا منع الوصول إلى ميناء لو هافر. وقد حذرت النقابات الزراعية الفرنسية من احتمال إغلاق المزيد من الطرق السريعة في جنوب غرب البلاد.

مخاوف جدية من المنافسة غير العادلة

الخوف الأكبر بين المزارعين الأوروبيين يكمن في المنافسة المتوقعة من المنتجات الزراعية المستوردة من دول ميركوسور، خاصةً لحوم البقر. يخشى المزارعون من أن هذه المنتجات، التي غالبًا ما تكون أرخص بسبب تكاليف الإنتاج الأقل، قد تغرق السوق الأوروبية وتؤدي إلى انخفاض أسعار المنتجات المحلية. بالإضافة إلى ذلك، هناك قلق بشأن معايير الإنتاج في دول ميركوسور، حيث يتهم البعض هذه الدول بعدم الالتزام بمعايير الاتحاد الأوروبي الصارمة المتعلقة بالصحة والسلامة والبيئة.

ردود الفعل الحكومية.. توازن بين المصالح

حتى الحكومات التي وافقت على الاتفاقية تبدي بعض التحفظ. على سبيل المثال، أكد نائب رئيس الوزراء الإيرلندي، سايمون هاريس، أن الحكومة ستواصل التعبير عن مخاوفها بشأن تأثير الاتفاق على القطاع الزراعي. ويرجع هذا الموقف الحذر إلى الضغط السياسي المتزايد من قبل المزارعين والنقابات الزراعية. هناك محاولات لإيجاد حلول وسط، مثل تخصيص حصص محددة للمنتجات المستوردة وتوفير دعم مالي للمزارعين الأوروبيين لمساعدتهم على التكيف مع المنافسة الجديدة. السياسة الزراعية تلعب دوراً حاسماً في هذه المعادلة.

بين مؤيد ومعارض: نظرة على المكاسب والخسائر المحتملة

لا تقتصر معارضة الاتفاقية على إيرلندا وفرنسا فقط؛ فقد شهدت دول أخرى مثل المجر وبولندا والنمسا احتجاجات مماثلة. ولكن هناك أيضًا دولًا مؤيدة للاتفاقية، مثل ألمانيا وإسبانيا، التي ترى فيها فرصة لتعزيز الاقتصاد الأوروبي.

يعتقد المؤيدون أن الاتفاقية ستساهم في إحياء الاقتصاد الأوروبي من خلال إلغاء الرسوم الجمركية على مجموعة واسعة من المنتجات، مما سيزيد من الصادرات الأوروبية، خاصةً السيارات والآلات. وستفتح الاتفاقية أيضًا أسواقًا جديدة للمنتجات الأوروبية في دول ميركوسور. وتشير التقديرات إلى أن الاتفاقية ستنشئ واحدة من أكبر مناطق التجارة الحرة في العالم، تضم أكثر من 700 مليون مستهلك.

ومع ذلك، يرى المعارضون أن هذه المكاسب الاقتصادية قد تأتي على حساب القطاع الزراعي الأوروبي، وأن الاتفاقية قد تؤدي إلى تفاقم المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في المناطق الريفية. ويؤكدون على أهمية حماية المزارعين الأوروبيين وضمان استدامة الزراعة المحلية.

مستقبل اتفاقية ميركوسور: معركة في البرلمان الأوروبي

الخطوة التالية في عملية المصادقة على الاتفاقية هي عرضها على البرلمان الأوروبي للحصول على موافقته النهائية. ومن المتوقع أن تكون هذه المرحلة حاسمة، حيث من المرجح أن تشهد معركة سياسية شرسة بين المؤيدين والمعارضين.

وتركز جهود جمعية المزارعين الإيرلنديين والنقابات الزراعية الأخرى على إقناع النواب الأوروبيين بالتصويت ضد الاتفاقية، أو على الأقل بفرض شروطًا صارمة لحماية القطاع الزراعي الأوروبي. قد تتضمن هذه الشروط تخصيص ميزانية كبيرة لدعم المزارعين المتضررين وتطبيق معايير صارمة على المنتجات المستوردة.

في الختام، تمثل اتفاقية ميركوسور تحديًا كبيرًا للزراعة الأوروبية. المزارعون الأوروبيون يبذلون قصارى جهدهم للدفاع عن مصالحهم، ويتوقعون دعمًا قويًا من حكوماتهم ونوابهم في البرلمان الأوروبي. مصير هذه الاتفاقية سيحدد مستقبل القطاع الزراعي في أوروبا، وسيكون له تأثير كبير على الاقتصادات والمجتمعات الريفية. تابعونا لمزيد من التحديثات حول هذا الموضوع الهام.

Keywords: المزارعون الأوروبيون, اتفاقية ميركوسور, السياسة الزراعية.

شاركها.
اترك تعليقاً