قطاع غزة يواجه كارثة صحية صامتة: نقص حاد في المستلزمات المخبرية يهدد حياة المرضى

يشهد قطاع غزة تدهوراً حاداً في الأوضاع الصحية مع استمرار الأزمة الإنسانية، وقد دقّت وزارة الصحة في القطاع ناقوس الخطر بشأن نقص المستلزمات المخبرية الذي وصل إلى مستويات حرجة. هذا النقص يهدد بشكل مباشر قدرة المستشفيات والمراكز الطبية على تقديم التشخيص الدقيق والرعاية الصحية الأساسية للمرضى، مما يعيق سير العمل ويضع حياة الكثيرين في خطر. وتفاقمت المشكلة بشكل كبير بعد حرب أكتوبر/تشرين الأول 2023، مع منع إدخال المواد الطبية الأساسية.

تفاقم أزمة المستلزمات المخبرية في غزة: أرقام مقلقة

أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة عن أرقام مرعبة تعكس حجم الأزمة. وتشير البيانات إلى أن حوالي 75% من مواد فحوصات الكيمياء الطبية غير متوفرة، بينما وصلت مخزونات حوالي 90% من مستلزمات فحوص وبنوك الدم إلى مستوى الصفر. هذا النقص الشديد يعيق إجراء فحوصات حيوية وضرورية مثل فحوصات الغدد الصماء والأورام، بالإضافة إلى فحوصات ما قبل وبعد زراعة الكلى، وحتى الفحوصات الروتينية مثل صورة الدم الكاملة (CBC) وفحوصات أملاح الدم.

تأثير النقص على عمل المستشفيات

هذا الوضع يضع المستشفيات في مواجهة تحديات جمة. فبدون الفحوصات المخبرية، يصبح التشخيص الدقيق أمراً مستحيلاً، مما يؤدي إلى تأخر العلاج أو وصف علاجات غير مناسبة. بالإضافة إلى ذلك، توقف إجراء فحوصات بنوك الدم يهدد حياة المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية أو نقل دم عاجل. كما أن التأخر في إجراء فحوصات المزارع البكتيرية (حوالي 72% من المستلزمات غير متوفرة) يعيق مكافحة العدوى، خاصة في ظل الظروف الصحية المتردية.

أسباب أزمة نقص المستلزمات الطبية

يعود السبب الرئيسي في هذه الأزمة إلى القيود المفروضة على إدخال المواد والمستلزمات الطبية إلى قطاع غزة منذ بداية الحرب. المستلزمات الطبية، بما في ذلك تلك الخاصة بالمختبرات وبنوك الدم، تعتبر جزءاً أساسياً من المساعدات الإنسانية التي يجب أن تصل إلى السكان المحاصرين. ومع ذلك، فإن التعقيدات الإدارية، والإجراءات البيروقراطية، والقيود الأمنية تعيق وصول هذه المساعدات بشكل فعّال ومنتظم.

علاوة على ذلك، فإن الوضع الاقتصادي المتردي في قطاع غزة، قبل وخلال الحرب، ساهم في تفاقم المشكلة. فعدم القدرة على توفير التمويل اللازم لشراء المواد المخبرية بكميات كافية يؤدي إلى الاعتماد على المساعدات الخارجية، والتي بدورها قد تتأخر أو لا تصل إلى القطاع بالكامل.

الفئات الأكثر تضرراً من نقص الفحوصات

تعتبر الفئات التالية الأكثر تضرراً من أزمة نقص المستلزمات المخبرية:

  • مرضى السرطان: يحتاجون إلى فحوصات دورية لمتابعة تطور المرض وتقييم استجابتهم للعلاج.
  • مرضى الغدد الصماء: يتطلب علاجهم فحوصات مستمرة لمراقبة مستويات الهرمونات ووظائف الغدة.
  • مرضى زراعة الكلى: يحتاجون إلى فحوصات متخصصة قبل وبعد عملية الزرع للتأكد من توافق الأنسجة ومراقبة وظائف الكلى.
  • الأطفال والنساء الحوامل: يتطلب تشخيص وعلاج حالاتهم فحوصات مخبرية دقيقة.
  • الجرحى والمرضى الذين يحتاجون إلى عمليات جراحية: فحوصات ما قبل الجراحة ضرورية لتقييم حالتهم الصحية والتأكد من سلامتهم.

التشخيص والعلاج بدون مختبرات: سيناريو كارثي

الاعتماد على التشخيص السريري فقط، أي التشخيص بناءً على الأعراض الظاهرة، في غياب الفحوصات المخبرية، يمكن أن يؤدي إلى أخطاء طبية فادحة وتأخر في العلاج. كما أن عدم القدرة على إجراء فحوصات بنوك الدم بشكل دوري يهدد حياة المرضى الذين يحتاجون إلى عمليات نقل دم طارئة. وبالتالي، فإن استمرار أزمة نقص المستلزمات المخبرية ينذر بتدهور كبير في جودة الخدمات الصحية وارتفاع معدلات الوفيات في قطاع غزة. كما أن عدم وجود فحوصات للكشف عن الأمراض المعدية، يهدد بانتشارها بشكل أسرع.

الحاجة إلى تدخل عاجل وفعال

تطالب وزارة الصحة الفلسطينية بالتدخل العاجل من قبل الجهات المعنية على المستويين المحلي والدولي لتوفير المستلزمات المخبرية الأساسية وبنوك الدم بشكل فوري. ويجب على هذه الجهات العمل على إزالة العوائق التي تحول دون إدخال المساعدات الطبية إلى القطاع، وتسريع الإجراءات الإدارية، وتقديم الدعم المالي اللازم لشراء هذه المستلزمات.

بالإضافة إلى ذلك، يجب على المجتمع الدولي الضغط على إسرائيل لرفع القيود المفروضة على حركة الأشخاص والبضائع عبر معابر غزة، والسماح بإدخال جميع المواد والمستلزمات الطبية الضرورية دون تأخير أو قيود. إن إنقاذ حياة المرضى في قطاع غزة يتطلب تضافر الجهود وتوحيد الصفوف من قبل جميع الأطراف المعنية.

مستقبل الرعاية الصحية في غزة: نظرة قاتمة

بدون حل سريع وفعال لأزمة نقص المستلزمات المخبرية، يبدو مستقبل الرعاية الصحية في قطاع غزة قاتماً. فقدان القدرة على التشخيص الدقيق والعلاج المناسب سيؤدي إلى تفاقم الأوضاع الصحية وزيادة المعاناة الإنسانية. لذا، فإن توفير الموارد الطبية، وخاصة تلك المتعلقة بالمختبرات وبنوك الدم، يعتبر أمراً حيوياً لإنقاذ النظام الصحي في غزة وحماية حياة السكان. يجب أن تكون هذه الأزمة أولوية قصوى للمجتمع الدولي، وأن يتم التعامل معها بجدية ومسؤولية.

شاركها.
اترك تعليقاً