في خضم التوترات السياسية المتصاعدة، يبرز تناقض الموقف لرئيس الولايات المتحدة السابق دونالد ترامب تجاه المظاهرات الجارية في كل من إيران والولايات المتحدة. فبينما أبدى اهتمامًا ملحوظًا بالاحتجاجات في إيران، بدا متجاهلاً أو حتى معارضًا للتظاهرات التي تشهدها مدن أمريكية مختلفة. هذا الازدواج في الخطاب أثار تساؤلات حول دوافعه ومعاييره في التعامل مع الحركات الاحتجاجية، وكيف تشكل هذه المعايير رؤيته للسياسة الداخلية والخارجية.

نظرة عامة على الاحتجاجات وتصريحات ترامب

تصاعدت الاحتجاجات في إيران بسبب الأوضاع الاقتصادية الصعبة، والمظالم السياسية والاجتماعية، والمعارضة المتزايدة للنظام الحاكم. ردت الحكومة الإيرانية بقمع شديد، شمل قطع الإنترنت واستخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين، مما أدى إلى وقوع العديد من القتلى والجرحى. وفي هذا السياق، أعرب ترامب عن دعمه للمتظاهرين الإيرانيين، واصفًا إياهم بالشجعان والمستحقين للدعم، ومُشيرًا إلى أن بلادهم تمر بفترة تاريخية نحو الحرية. بل وتعدى ذلك إلى التلميح إلى تدخل محتمل، حتى عسكري، في حال استمرار العنف ضد المتظاهرين، مع وعد بتقديم الدعم التقني، كإعادة الإنترنت بالتعاون مع إيلون ماسك.

في المقابل، اتسم موقف ترامب من الاحتجاجات الأمريكية بالرفض والتجاهل، بل وتصوير المتظاهرين على أنهم عناصر فوضوية ومخربة. وقد تفاقمت هذه النبرة بعد حادثة مقتل رينيه جود، حيث دافع ترامب عن ضابط الهجرة الذي أطلق النار عليها، واتهمها بالفوضى وتهديد ضباط إنفاذ القانون.

ازدواجية المعايير في تقييم الاحتجاجات

يتركز جوهر الانتقاد حول ازدواجية المعايير التي يتبناها ترامب في تقييمه للحركات الاحتجاجية. المظاهرات الإيرانية، في نظره، تمثل حركة مقاومة مشروعة ضد نظام “استبدادي”، بينما تعتبر المظاهرات الأمريكية مجرد “خروج عن النظام والقانون”. هذا التمييز يثير تساؤلات حول ما إذا كانت معايير ترامب تتأثر بمساعيه السياسية وأهدافه الإستراتيجية، أكثر من ارتباطها بالمبادئ الأساسية لحقوق الإنسان والاحتجاج السلمي.

دوافع ترامب والسياسة الخارجية

يرى محللون أن موقف ترامب تجاه إيران يعكس رغبته في إضعاف النظام الإيراني، وتقويض نفوذه الإقليمي. وقد استغل الاحتجاجات كفرصة لإظهار الدعم للمعارضة، وزيادة الضغط على الحكومة الإيرانية. أما تجاهله للمظاهرات الداخلية، فهو يعود إلى حرصه على الحفاظ على سلطته، وتشويه صورة المعارضين لسياساته. ففي حالة حادثة مينيابوليس، قام بتوجيه الاتهام لـ”اليسار الراديكالي”، محاولاً تصوير الاحتجاجات كجزء من حملة منظمة لتقويض سلطة الشرطة والسلطة المركزية.

المظاهرات الأمريكية: قمع الهجرة ومساءلة الشرطة

تأتي الاحتجاجات الأمريكية في سياق حملة مكافحة الهجرة التي تتبناها إدارة ترامب، والتي أثارت مخاوف واسعة بشأن الحقوق المدنية وسلوك الشرطة. ولقد تحولت حادثة مقتل رينيه جود إلى نقطة اشتعال، حيث اتهمت الإدارة بمعارضة مطالب المحتجين بالمساءلة، وتقديم الدعم الكامل لضباط الهجرة والجمارك. المحتجون طالبوا بـ “مساءلة نظام عمل بلا عقاب لفترة طويلة جداً”، في إشارة إلى سياسات الهجرة القاسية وممارسات الشرطة العنيفة.

تصعيد الخطاب والخيارات المطروحة

لم يقتصر ترامب على انتقاد المتظاهرين الأمريكيين، بل ذهب إلى حد التهديد بالتدخل العسكري في إيران، ما لم تتوقف الحكومة الإيرانية عن قمع الاحتجاجات. وأكد أن لديهم خيارات “قوية جدًا” تجاه طهران، وشدد على أنه “سيرد بحزم على أي تصرف”. هذا التصعيد الخطابي يثير مخاوف بشأن احتمال نشوب صراع إقليمي، وتدهور الوضع الإنساني في إيران.

الإنترنت كأداة للدعم والرقابة

أشار ترامب أيضًا إلى العمل على توفير خدمة الإنترنت للمتظاهرين الإيرانيين، في محاولة لمواجهة الرقابة الحكومية. في الوقت نفسه، أثارت هذه المبادرة تساؤلات حول التدخل في الشؤون الداخلية لإيران، وإمكانية استخدام الإنترنت لنشر معلومات مضللة أو لتقويض الحركات الاحتجاجية.

الخلاصة: تناقض الموقف وتداعياته المحتملة

يكشف تناقض الموقف الذي أبداه دونالد ترامب تجاه الاحتجاجات في إيران والولايات المتحدة عن رؤية سياسية ذات أبعاد متناقضة. فبينما يدعو إلى الحرية وحقوق الإنسان في إيران، يتجاهل هذه القيم في الداخل، ويصف المتظاهرين السلميين بالمخربين. هذا السلوك يمثل تحديًا للقيم الديمقراطية، ويقوض مصداقية الولايات المتحدة على الساحة الدولية.

من الضروري تحليل التداعيات المحتملة لهذا النهج المتباين، ودراسة تأثيره على السياسة الخارجية والداخلية. كما يجب على المجتمع الدولي مراقبة الوضع في إيران والولايات المتحدة، والضغط على الحكومتين لضمان احترام حقوق الإنسان، والسماح بالاحتجاج السلمي. يبقى السؤال المطروح: هل ستتغير هذه المعايير الثنائية في المستقبل، أم ستستمر في تشكيل مسار السياسة الأمريكية؟

شاركها.
اترك تعليقاً