في ليلة 9 يناير/كانون الثاني 2026، كثَّف الروس قصفهم على مواقع أوكرانية، وهو أمر اعتاد عليه العالم في سياق الحرب الدائرة. لكن هذه الليلة لم تكن كغيرها، فقد شهدت عودة صاروخ “أوريشنيك” إلى ساحة المعركة، مُعلنةً عن فصل جديد في هذا الصراع المعقد. الضربة، التي استهدفت مناطق قرب مدينة لفيف في غرب أوكرانيا، أثارت تساؤلات حول دوافع موسكو الحقيقية، خاصةً مع استمرار المحادثات الدولية حول مستقبل الحرب. هذا الحدث، الذي تزامن مع هجوم واسع النطاق شمل 242 مسيرة و36 صاروخًا، يستدعي تحليلًا معمقًا للصاروخ نفسه، ولرسالة موسكو الضمنية، وللتداعيات المحتملة على مسار الحرب.
## عودة “أوريشنيك”: ما الذي تغير؟
لم يكن ظهور “أوريشنيك” في نوفمبر 2024 مفاجئًا بالقدر نفسه، حيث استهدف حينها منشأة لصناعة الصواريخ في دنيبرو، وأخرجها من الخدمة. لكن إعادة استخدامه الآن تحمل دلالات أبعد من مجرد الضرر المادي. “أوريشنيك” ليس سلاحًا يُستخدم بشكل روتيني، بل هو صاروخ متطور ونادر الاستخدام، وتحديدًا لا تستخدمه روسيا دون إخطار الولايات المتحدة عبر قنوات “خفض المخاطر النووية”، كما أكدت مصادر أمريكية موثوقة. هذا الإجراء البروتوكولي يضع استخدام “أوريشنيك” في سياق مختلف تمامًا، ويجعله بمثابة إشارة سياسية وعسكرية قوية.
## “أوريشنيك”: مواصفات تقنية وقدرات متقدمة
يُعد “أوريشنيك” سلاحًا يتميز بقدرات تقنية هائلة. فهو صاروخ فرط صوتي، قادر على الوصول إلى سرعات تقارب 13 ألف كيلومتر في الساعة، أي أكثر من 10 أضعاف سرعة الصوت (ماخ 10). كما يتمتع بمدى يصل إلى 5500 كيلومتر، مما يجعله ينتمي إلى فئة الصواريخ الباليستية متوسطة المدى (IRBM).
### رؤوس متعددة: التحدي الأكبر للدفاعات الجوية
الأهم من سرعته ومدى وصوله، هي قدرة “أوريشنيك” على حمل رؤوس حربية متعددة. هذه الميزة تجعله سلاحًا صعب المراس بالنسبة للدفاعات الجوية، حيث لا يمثل هدفًا واحدًا، بل مجموعة من الأهداف التي تنفصل عنه في مراحل مختلفة من الطيران. كما أن بعض الرؤوس قد تحتوي على “ذخائر فرعية” تزيد من تعقيد عملية الاعتراض. هذا ما أكدته تسجيلات واقعة ضرب دنيبرو عام 2024، والتي أظهرت علامات على 6 تفجيرات منفصلة.
## هل “أوريشنيك” صاروخ فرط صوتي حقيقي؟
هناك جدل قائم حول تصنيف “أوريشنيك” كصاروخ فرط صوتي. فبينما يتفق الجميع على أنه يصل إلى سرعات فرط صوتية، إلا أن الخلاف يكمن في قدرته على المناورة. الصاروخ الفرط صوتي عادةً ما يتمتع بقدرة عالية على تغيير مساره أثناء الطيران، وهي سمة لا يبدو أن “أوريشنيك” يمتلكها. الرأي السائد في البنتاغون هو أن “أوريشنيك” هو صاروخ باليستي متوسط المدى تجريبي، مبني على نموذج “آر إس-26 روبيج”.
## دوافع استخدام “أوريشنيك” في هذا التوقيت
يعود استخدام “أوريشنيك” مجددًا إلى عدة عوامل متداخلة. تزامن الضربة مع محادثات مكثفة حول إيجاد حل للحرب وتبادل الضمانات الأمنية بين روسيا وأوكرانيا، ومع رئاسة دونالد ترامب، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه يميل إلى التوصل إلى تسوية مع موسكو.
الرواية الروسية تربط إطلاق “أوريشنيك” بمحاولة أوكرانية لاستهداف أحد مقار إقامة الرئيس بوتين بواسطة طائرة مسيرة. لكن حتى لو كانت هذه الرواية صحيحة، فإن استخدام صاروخ باهظ الثمن مثل “أوريشنيك” برؤوس خاملة يبدو مبالغًا فيه.
الهدف الأرجح هو إرسال رسالة سياسية وعسكرية إلى الغرب، مفادها أن روسيا تمتلك القدرة على التصعيد، وأنها لن تتهاون في الدفاع عن مصالحها. هذا ما يُعرف بـ “سياسة حافة الهاوية”، حيث يتم استخدام الأسلحة لإظهار القوة والردع، دون اللجوء إلى استخدامها بشكل كامل.
## “أوريشنيك” والخطاب النووي الروسي
يأتي استخدام “أوريشنيك” في سياق الخطاب النووي الروسي المتصاعد. فمنذ نهاية الحرب الباردة، حافظت موسكو على فكرة أن التذكير بقدراتها النووية يمكن أن يغير حسابات الغرب، خاصةً إذا كان ميزان القوة التقليدية لا يضمن تحقيق أهدافها.
وقد اتخذت روسيا خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، مثل إعلانها عن التدريب على سيناريوهات نشر السلاح النووي التكتيكي، وتغيير عقيدتها النووية لتشمل حالات أوسع للرد النووي. هذه الإجراءات تهدف إلى إظهار تصميم روسيا على حماية مصالحها، وإلى ردع أي تدخل غربي مباشر في الصراع.
## رسالة إلى أوروبا والولايات المتحدة
يبدو أن “أوريشنيك” هو رسالة موجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة، مفادها أنه لا يمكن بناء عالم ما بعد الحرب في أوكرانيا دون مراعاة مصالح روسيا. كما أنها تحذير من أن أي محاولة لنشر قوات لضمان وقف إطلاق النار ستعتبر هدفًا مشروعًا.
في الختام، استخدام “أوريشنيك” في هذا التوقيت ليس مجرد حادث عسكري، بل هو خطوة محسوبة تهدف إلى تحقيق أهداف سياسية وعسكرية محددة. فهو سلاح يجمع بين القدرات التقنية الهائلة والرسالة الرمزية القوية، ويجسد سياسة حافة الهاوية التي تتبعها روسيا في إدارة أزماتها مع الغرب. يبقى السؤال المطروح هو: هل ستنجح هذه السياسة في تحقيق أهدافها، أم أنها ستؤدي إلى تصعيد غير مسبوق في الصراع؟ تحليل هذا الحدث بعمق، ومراقبة التطورات اللاحقة، أمر ضروري لفهم مسار الحرب في أوكرانيا، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والدولي.















