آخر تحديث: 20:04 (توقيت مكة)

لم تكن بلقيس عوض مجرد ممثلة سودانية، بل أيقونة فنية تركت بصمة لا تُمحى في تاريخ المسرح والدراما السودانية. رحلت الفنانة القديرة عن عالمنا، لكن إرثها الفني سيظل يضيء دروب الإبداع للأجيال القادمة. هذه المقالة تستعرض مسيرة حياة هذه الفنانة المبدعة، وإسهاماتها الجليلة في إثراء المشهد الثقافي السوداني.

مسيرة بلقيس عوض الفنية: من المسرح إلى الشاشة

ولدت بلقيس عوض في الخرطوم في الأربعينيات من القرن الماضي، ونشأت في أسرة شجعتها على التعليم واكتشاف مواهبها. درست علم النفس والاجتماع، وهو ما انعكس بشكل واضح على أدائها التمثيلي المتقن، وقدرتها على فهم أعماق الشخصيات التي تجسدها. بدأت مسيرتها الفنية على خشبة المسرح في سن مبكرة، وسرعان ما أثبتت موهبتها وقدرتها على جذب الجمهور.

بدايات واعدة على خشبة المسرح القومي

انضمت بلقيس عوض إلى المسرح القومي بأم درمان، وأصبحت واحدة من أبرز الوجوه النسائية في تلك الحقبة. شاركت في العديد من الأعمال المسرحية الهامة التي شكلت جزءًا من ذاكرة المسرح السوداني، مثل “الغول والغريب”، و”زهرة النرجس”، و”مركب بلا صياد”، و”هو وهي”، و”نكبة البرامكة”. تميزت أدوارها بالعمق والالتزام الفني، وساهمت في ترسيخ حضور المرأة كممثلة جادة في زمن لم يكن الطريق فيه ممهدًا أمام الفنانات.

بلقيس عوض والدراما السودانية: حضور مميز في التلفزيون والإذاعة

لم يقتصر إبداع بلقيس عوض على المسرح، بل امتد ليشمل شاشة التلفزيون والإذاعة. شاركت في العديد من المسلسلات الدرامية التي واكبت تطور الدراما السودانية، من بينها “أقمار الضواحي”، و”آخر قطار”، و”سكة الخطر”، و”بنت المدير”، و”قطر الشمال”، و”سكة ضياع”. تميز أداؤها بالبساطة والصدق، مع اعتمادها على التعبير الهادئ بعيدًا عن المبالغة، ما جعل حضورها قريبًا من الجمهور.

الإذاعة: مساحة واسعة للإبداع

يُعد الأرشيف الإذاعي المجال الأوسع في مسيرة بلقيس عوض، حيث شاركت في آلاف الأعمال الدرامية المسموعة، وتقدر مشاركاتها بأكثر من خمسة آلاف تسجيل إذاعي. كانت من أوائل الفنانات السودانيات اللاتي قدمن مسلسلات إذاعية باللغة العربية الفصحى، مثل مأساة يرول، و”بوذا الأشراف والرؤيا”، ما أسهم في إثراء الدراما الإذاعية السودانية وتوسيع جمهورها. هذا الإسهام في الدراما الإذاعية يمثل جزءًا هامًا من تاريخها الفني.

لمحات من السينما والرحيل المفجع

على الرغم من أن ظهورها في السينما كان أقل مقارنة بالمسرح والتلفزيون، إلا أن بلقيس عوض شاركت في فيلمين هما “يبقى الأمل”، و”العدل قبل القانون”. وقدّمت من خلالهما أدوارًا داعمة عكست اهتمامها بالمضمون الإنساني والاجتماعي للأعمال التي تختارها.

في سنواتها الأخيرة، ابتعدت بلقيس عوض عن الأضواء، مكتفية بتاريخ فني حافل. ومع اندلاع الحرب في السودان، اضطرت إلى مغادرة الخرطوم والإقامة في مدينة دنقلا بالولاية الشمالية. هناك، تدهورت حالتها الصحية، ورحلت عن عمر ناهز الثمانين عامًا في أحد مستشفيات المدينة، بعد معاناة مع المرض.

إرث فني خالد

رحلت بلقيس عوض بعيدًا عن خشبة المسرح التي أحبتها، وبعيدًا عن العاصمة التي شهدت ذروة عطائها، لكنها تركت خلفها إرثًا فنيًا يستعاد كلما ذكر جيل الرواد. إرث لا يُقاس بعدد الأعمال فقط، بل بصدق التجربة، وهدوء الحضور، والأثر العميق الذي تركته في الذاكرة الثقافية السودانية. ستظل بلقيس عوض رمزًا للإبداع والالتزام الفني، ومصدر إلهام للأجيال القادمة من الفنانين. إن فقدان هذه الفنانة القديرة يمثل خسارة كبيرة للثقافة السودانية، لكن ذكراها سيبقى خالدًا في قلوب محبيها.

شاركها.
اترك تعليقاً