في الثامن من ديسمبر 2025، اهتزت اليابان من جديد بسبب زلزال قوي بلغت قوته 7.5 درجة على مقياس ريختر، ضرب السواحل الشمالية الشرقية. أدى هذا الزلزال إلى إصدار تحذيرات من موجات تسونامي وإخلاء حوالي 90 ألف شخص، مع وجود تحذير من احتمال وقوع زلزال أكبر. وعلى الرغم من قوته، صمدت المباني اليابانية بشكل ملحوظ، مما أثار تساؤلات حول قدرة اليابان الفريدة على مواجهة الكوارث الطبيعية، وخاصةً الزلازل.
وقد اقتصرت الخسائر على إصابة أكثر من 30 شخصًا دون وقوع وفيات، وهو رقم منخفض بشكل ملحوظ مقارنة ببعض الزلازل المماثلة في مناطق أخرى من العالم. يعود هذا التفوق إلى سنوات من الاستعداد والتخطيط الدقيق، بالإضافة إلى تطبيق معايير بناء صارمة.
التكيف مع الزلازل الكبرى
اليابان، الواقعة على “حلقة النار” في المحيط الهادئ، تتعرض بشكل متكرر للزلازل. ويتجاوز عدد الزلازل السنوية أكثر من 100 ألف، منها حوالي 1500 زلزال يمكن الشعور به. هذا الموقع الجغرافي يجعل الزلازل أمرًا حتميًا، وليست استثناءً.
وعلى مر العقود، استثمرت اليابان بشكل كبير في تعزيز مقاومة مدنها للزلازل من خلال البحث العلمي وتحديث قوانين البناء. يرتكز التصميم الزلزالي على مبدأ أساسي: أن الخسائر البشرية غالبًا ما تنتج عن انهيار المباني، وليس الزلزال نفسه.
تطور معايير البناء الزلزالية
أدى الدمار الواسع الذي خلفه زلزالا مينو-أواري عام 1891 وكانتو العظيم عام 1923 إلى إدخال أولى لوائح مقاومة الزلازل في قوانين البناء اليابانية. ومنذ ذلك الحين، خضعت هذه القوانين لتعديلات جوهرية، أبرزها قانون البناء عام 1950 وتعديل عام 1981 المعروف بـ”شين-تايشين”، والذي جاء بعد زلزال مياغي البحري.
يحدد الكود الزلزالي الياباني معايير تصميمية وهندسية صارمة يتم تحديثها باستمرار لضمان صمود المباني أمام الزلازل الصغيرة وتقليل الخسائر البشرية في الزلازل الكبرى. وقد أثبتت هذه القواعد فعاليتها في زلزال هانشين عام 1995، حيث تبين أن 97% من المباني المنهارة بنيت قبل تطبيق معايير عام 1981.
المرونة في التصميم
من الدروس المستفادة من الزلازل السابقة، تبنت اليابان مفهوم المرونة في التصميم. بدلاً من محاولة مقاومة قوة الزلزال بشكل كامل، تركز التصاميم الحديثة على السماح للمباني بالتحرك مع اهتزازات الأرض، مما يقلل من الضغط على الهيكل. تجسد معابد الباغودا الخشبية متعددة الطوابق هذا المبدأ، حيث أظهرت قدرتها على الصمود أمام الزلازل، بما في ذلك زلزال هانشين أواجي عام 1995.
تستخدم التقنيات الحديثة مثل العزل القاعدي، الذي يعتمد على وضع المبنى فوق محامل مطاطية أو ممتصات صدمات، لتقليل تأثير الزلازل. كما تستخدم المخمدات الزلزالية المثبتة على امتداد ارتفاع المبنى لامتصاص الطاقة الزلزالية. تعتبر هذه التقنيات جزءًا أساسيًا من العمارة الحديثة في اليابان.
التحديات المستقبلية والاستعدادات المستمرة
على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته اليابان في مجال مقاومة الزلازل، لا تزال هناك تحديات. تتضمن هذه التحديات التعامل مع المناطق المعرضة لتسييل التربة، والتداعيات الثانوية للزلازل مثل الحرائق وأمواج التسونامي. بالإضافة إلى ذلك، يصعب التنبؤ بتأثير الزلازل المستقبلية بدقة.
تشير التقديرات إلى أن هناك احتمالًا بنسبة 70% لحدوث زلزال كبير في طوكيو خلال الثلاثين عامًا القادمة. لذلك، تواصل اليابان الاستثمار في البحث والتطوير لتحسين تقنيات مقاومة الزلازل، وتحديث قوانين البناء باستمرار. كما يتم التركيز على تدريب السكان على الاستعداد للزلازل والاستجابة لها.
الخطوة التالية المتوقعة هي إجراء تقييم شامل للمباني القائمة لتحديد مدى توافقها مع أحدث معايير مقاومة الزلازل. بالإضافة إلى ذلك، سيستمر التركيز على تطوير تقنيات جديدة لتعزيز سلامة المباني في المناطق المعرضة للخطر. يبقى التحدي الأكبر هو الاستعداد للمجهول، حيث أن الطبيعة غير المتوقعة للزلازل تعني أن اليابان يجب أن تكون مستعدة دائمًا لأسوأ السيناريوهات.















