تعتبر الديناميكا الحرارية، علم دراسة الطاقة وتحولاتها، حجر الزاوية في فهم العمليات الفيزيائية والكيميائية. لكن تطبيق مبادئها على الأنظمة الحية، مثل الخلايا، يطرح تحديات فريدة. فقد يمهد بحث جديد الطريق نحو قانون جديد للديناميكا الحرارية يراعي الخصائص المميزة للحياة، بما في ذلك قدرتها على الحفاظ على حالة من عدم التوازن المنظم.
نُشرت النتائج في 13 يناير 2026، وتستكشف الدراسة، التي أجريت في جامعة دريسدن للتكنولوجيا في ألمانيا، كيف تختلف العمليات الديناميكية الحرارية في الخلايا الحية عن تلك الموجودة في الأنظمة غير الحية. يركز البحث على فهم أفضل لكيفية عمل الخلايا والحفاظ على وظائفها المعقدة، وهو ما قد يكون له آثار كبيرة على مجالات مثل الطب وعلم الأحياء.
الديناميكا الحرارية للحياة: تحديات جديدة
تعتمد الحياة على قدرتها على تبديد الطاقة والحفاظ على حالة من عدم التوازن. هذا التباين مع الأنظمة الفيزيائية التقليدية، التي تميل نحو التوازن، يجعل من الصعب تطبيق قوانين الديناميكا الحرارية القياسية على الكائنات الحية. فالخلايا ليست مجرد تجمعات عشوائية من الجزيئات؛ بل هي أنظمة منظمة للغاية تعمل باستمرار للحفاظ على وظائفها.
وفقًا للباحثين، تمتلك الخلايا ما يسمى بـ “نقطة ضبط”، وهي آلية تنظيم داخلي تسمح لها بالاستجابة للتغيرات في البيئة والحفاظ على استقرارها. هذه الآلية، التي تعتمد على التغذية الراجعة، تجعل سلوك الخلية مختلفًا عن سلوك نظام غير حي يخضع لنفس القوى الفيزيائية.
الخلايا كأنظمة غير متوازنة
لتحقيق هذا الفهم، استخدم فريق البحث خلايا هيلا البشرية، وهي سلالة من خلايا السرطان معروفة بقدرتها على النمو والتكاثر بشكل مستمر. قاموا بإيقاف هذه الخلايا في مرحلة معينة من الانقسام الخلوي ثم قاموا بتحفيزها باستخدام مجهر القوة الذرية لقياس التغيرات في أغشيتها الخارجية.
أظهرت النتائج أن مفاهيم مثل “درجة الحرارة الفعالة”، وهي محاولة لتطبيق مفاهيم الديناميكا الحرارية التقليدية على الأنظمة غير المتوازنة، لا تفسر سلوك الخلايا الحية بدقة. بدلاً من ذلك، وجد الباحثون أن خاصية تسمى “لا تماثل انعكاس الزمن” هي الأكثر فائدة في وصف حالة عدم التوازن في الأنظمة الحية.
لا تماثل انعكاس الزمن وأهميته
يشير لا تماثل انعكاس الزمن إلى مدى اختلاف العملية البيولوجية إذا تم عكس اتجاهها الزمني. بعبارة أخرى، هل يمكن للعملية أن تحدث بنفس الطريقة إذا تم تشغيلها للخلف؟ يعتقد الباحثون أن هذا اللا تماثل مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالغرض من العمليات البيولوجية، مثل البقاء والتكاثر.
ويقول تشيس بروديرزز من الجامعة الحرة بأمستردام أن فهم مدى بعد الأنظمة الحية عن التوازن أمر بالغ الأهمية. هذا البحث يقدم أدوات جديدة لتقييم هذا البعد، مما قد يؤدي إلى فهم أعمق للعمليات الحيوية.
نحو قانون رابع للديناميكا الحرارية؟
يهدف فريق البحث الآن إلى اشتقاق قانون جديد للديناميكا الحرارية، يُعرف بالقانون الرابع، والذي ينطبق تحديدًا على المادة الحية. سيركز هذا القانون على الخصائص الفريدة للخلايا، مثل وجود نقطة ضبط وآليات التنظيم الذاتي.
على الرغم من أن هذا العمل لا يزال في مراحله الأولى، إلا أنه يمثل خطوة مهمة نحو فهم أعمق للأسس الفيزيائية للحياة. من المتوقع أن يستمر البحث في السنوات القادمة، مع التركيز على دراسة مجموعة متنوعة من الخلايا والأنظمة الحية لتحديد المبادئ العامة التي تحكم سلوكها. ستكون المراقبة المستقبلية لنتائج هذه الدراسات ضرورية لتقييم إمكانية تطوير قانون رابع للديناميكا الحرارية وتطبيقاته المحتملة.















