مستقبل سوريا: دعوات للتقسيم والاستقلال الذاتي وتصريحات مثيرة للجدل حول دور إسرائيل
تتصاعد التوترات في محافظة السويداء جنوب سوريا، وتترافق مع دعوات متزايدة للاستقلال الذاتي، بل والتقسيم الكامل للبلاد. هذه الدعوات، التي أطلقها بشكل صريح الزعيم الروحي لطائفة الدروز في السويداء، حكمت الهجري، في مقابلة مع موقع “واي نت” الإسرائيلي، تثير تساؤلات عميقة حول مستقبل سوريا، وعلاقتها بدول الجوار، وخاصة إسرائيل. المقابلة، التي أثارت جدلاً واسعاً، تركزت حول رؤية الهجري لمستقبل الدروز في سوريا، والتي يراها مرتبطة بشكل وثيق بضمان أمنهم واستقرارهم، حتى لو كان ذلك يعني البحث عن ترتيبات جديدة تتجاوز الدولة السورية الموحدة. التقسيم، كما يراه الهجري، هو المسار الوحيد لضمان مستقبل الأقليات في سوريا واستقرار المنطقة.
تصريحات الهجري المثيرة للجدل
أطلق الهجري تصريحات قوية اتهم فيها الحكومة السورية بتبني “أيديولوجية داعشية”، زاعماً أن الصراع الحالي ليس مجرد خلاف سياسي، بل “معركة وجودية” ضد نهج “بربري” يستهدف الأقليات. وادعى أن الأحداث التي شهدتها السويداء في يوليو/تموز الماضي، والتي تضمنت مواجهات بين مسلحين من الدروز وعشائر بدوية، كانت بمثابة “حرب إبادة” لم ينقذ الدروز منها إلا التدخل الإسرائيلي.
هذه الادعاءات، التي لم تقدم معها أدلة قاطعة، تشمل اتهامات بإعدامات ميدانية واغتصابات وحرق أحياء سكنية، بالإضافة إلى اتهام مباشر للنظام السوري بالتنسيق مع جماعات مسلحة لتنفيذ “إبادة جماعية”. كما أشار الهجري إلى تأسيس “الحرس الوطني”، وهو بمثابة جيش دروز محلي يهدف إلى حماية المحافظة، مع تأكيد وجود تنسيق استراتيجي مع قوات سوريا الديمقراطية في الشمال السوري.
الدور الإسرائيلي: حليف أم ضامن؟
أبرز ما في تصريحات الهجري هو الإشادة الصريحة بالدور الإسرائيلي، ووصف إسرائيل بأنها “الدولة الوحيدة في العالم التي تدخلت عسكرياً وأنقذتنا من الإبادة الجماعية”. ورأى أن العلاقة مع إسرائيل “طبيعية” وتستند إلى “روابط دم وعائلات ممتدة”، معتبراً إسرائيل “دولة قانون ومؤسسات دولية” تمثل نموذجاً يطمح الدروز للوصول إليه.
هذه التصريحات تثير تساؤلات حول طبيعة العلاقة بين الدروز في السويداء وإسرائيل، وما إذا كانت هذه العلاقة تتجاوز مجرد الدعم العسكري لتشمل تحالفاً استراتيجياً طويل الأمد. الهجري يرى أن إسرائيل هي الطرف “الوحيد المؤهل والضامن لأي ترتيبات مستقبلية في المنطقة”، وهو ما يمثل دعوة مباشرة لتدخل إسرائيلي في مستقبل سوريا. الاستقلال الذاتي، في رؤيته، لا يمكن تحقيقه إلا بضمانة إسرائيلية.
خيبة الأمل من العالم العربي
لم يتردد الهجري في التعبير عن خيبة أمله العميقة من العالم العربي، متهماً الدول العربية بالوقوف إلى جانب “القاتل ضد الضحية”. وانتقد الصحافة العربية التي وصفها بأنها “صوّرتنا كأبناء للشيطان”. هذه الانتقادات تعكس شعوراً بالإهمال والتخلي لدى الدروز في السويداء، الذين يشعرون بأنهم تركوا لمواجهة مصيرهم وحدهم.
ردود الفعل السورية: اتهامات بالخيانة
أثارت تصريحات الهجري ردود فعل غاضبة في سوريا. فقد وصفه مدير أمن مدينة السويداء، سليمان عبد الباقي، بأنه “خائن وعميل ومندس ولا يمثلنا كسوريين”. هذه التصريحات تعكس الانقسام العميق داخل المجتمع السوري، وتصاعد التوترات بين السلطة المركزية والمناطق التي تطالب بالاستقلال الذاتي. سوريا تواجه تحدياً وجودياً حقيقياً، وتصريحات الهجري تزيد من تعقيد المشهد السياسي.
مستقبل سوريا: هل التقسيم هو الحل؟
يطرح الهجري رؤية جريئة لمستقبل سوريا، تقوم على تقسيم البلاد إلى أقاليم ذاتية الاستقلال، مع ضمان حقوق الأقليات وحمايتها. ويرى أن محاولات بناء دولة مدنية قد فشلت، وأن “الأيديولوجية الحاكمة في دمشق هي أيديولوجية القاعدة”.
هذه الرؤية، على الرغم من أنها قد تبدو متطرفة بالنسبة للبعض، تعكس واقعاً معقداً على الأرض، حيث تسيطر فصائل مختلفة على مناطق واسعة من البلاد، وتتزايد الدعوات إلى اللامركزية والاستقلال الذاتي. سواء تحقق هذا التقسيم أم لا، فإن تصريحات الهجري تمثل نقطة تحول في النقاش حول مستقبل سوريا، وتضع إسرائيل في موقع محوري في أي ترتيبات مستقبلية. الوضع يتطلب حواراً شاملاً ومراعاة مصالح جميع الأطراف، لتجنب المزيد من التصعيد والعنف.















