من طوكيو إلى إسطنبول، قصة فنانة يابانية تعانق الفن الإسلامي، هي رحلة ملهمة للطالبة شينكو شيراكاوا، التي اختارت لنفسها اسماً جديداً، “شولة”، لتنطلق في عالم الفن الإسلامي وتدمجه مع جذورها اليابانية. هذه القصة ليست مجرد انتقال من بلد إلى آخر، بل هي لقاء بين ثقافتين عريقتين، وتعبير فني فريد يجمع بين الدقة اليابانية والزخرفة الإسلامية الغنية.

رحلة شولة: من طوكيو إلى قلب الفن التركي

بدأت رحلة شولة من طوكيو، حيث نشأت في بيئة تقدر الجمال والدقة في الفن. زيارتها لمسجد طوكيو والمركز الثقافي التركي كانت بمثابة الشرارة التي أشعلت اهتمامها بالفنون التركية الإسلامية. هذا الاهتمام دفعها إلى اتخاذ قرار جريء بالقدوم إلى إسطنبول، المدينة التي تحتضن تاريخاً غنياً من الفن والعمارة الإسلامية، للدراسة في جامعة معمار سنان للفنون الجميلة.

نقطة تحول روحية وأكاديمية

تصف شولة تجربتها في تركيا بأنها “نقطة تحول في حياتي”. لم تكن هذه الرحلة مجرد بحث عن المعرفة الفنية، بل كانت أيضاً رحلة روحية عميقة. شعرت بفراغ داخلي دفعها للبحث عن معنى أعمق للحياة، ووجدت في الإسلام ما تبحث عنه. “سافرت إلى الهند بدافع الفضول للتعرف على الأديان، واخترت الإسلام لأنني شعرت بقرب شديد منه، وقد احترمت عائلتي قراري”، تقول شولة.

دمج الثقافات: فن الميكرو أرت والزخرفة الإسلامية

في ورشة صغيرة بإسطنبول، تمزج شولة بين ثقافتين متباعدتين جغرافيا، ولكن متقاربتين روحياً. تعتمد في أعمالها على تقنية الرسم الدقيق (الميكرو أرت)، وهي تقنية تتطلب مستوى عالياً من التركيز والصبر، لتنفيذ رسومات وزخارف متناهية الصغر باستخدام أدوات دقيقة مثل أقلام الحبر الرفيعة.

الزخارف الهندسية: لغة مشتركة بين اليابان والإسلام

تستخدم شولة الزخارف الهندسية اليابانية إلى جانب أنماط العمارة السلجوقية، مما يعكس مفهوم اللانهاية في تجربة تجمع بين ثقافتين عريقتين ضمن قالب إبداعي معاصر. هذا الدمج ليس مجرد تجميع لعناصر من ثقافتين مختلفتين، بل هو حوار فني يبرز أوجه التشابه والانسجام بينهما. تطمح شولة إلى رسم مساجد تاريخية مثل السلطان أحمد وآيا صوفيا، معبرة عن إعجابها بجمالها الآسر.

رؤية الفنان والمدرس: تعزيز الصداقة التركية اليابانية

يرى مراد أوتشار، مدرسها في قسم الفنون التركية التقليدية بجامعة معمار سنان، أن هذا التعاون الفني يمثل فرصة لتعزيز الصداقة التركية اليابانية. “بدأنا بدمج الأنماط السلجوقية مع الأنماط الهندسية اليابانية التقليدية، وابتكرنا تصميمات تمزج بين الحركات الاستشراقية هناك والأنماط السلجوقية التقليدية هنا”. ويضيف أوتشار أن لشولة رؤية فريدة فيما يتعلق بالأقلام، فهي تؤمن بأهميتها في عالم يسوده الاستهلاك السريع.

الإسلام في اليابان: آفاق متنامية

تلاحظ شولة أن الإسلام يشهد حضوراً متزايداً في اليابان، وتعرب عن أملها في زيادة عدد المساجد هناك مع تنامي اهتمام اليابانيين بالثقافة الإسلامية. هذا الاهتمام المتزايد يعكس انفتاحاً على الثقافات الأخرى ورغبة في فهمها. الفن الإسلامي، بجماله وتنوعه، يلعب دوراً هاماً في هذا التقارب الثقافي.

مستقبل شولة: معرض فني ورسالة إبداعية

تتطلع شولة إلى إقامة معرض فني في منطقة السلطان أحمد، لعرض أعمالها التي تمزج بين الفن الياباني والإسلامي. هذا المعرض سيكون بمثابة رسالة إبداعية تعبر عن التسامح والتعايش بين الثقافات. إن قصة شولة هي قصة ملهمة عن كيف يمكن للفن أن يكون جسراً يربط بين الشعوب والثقافات، وأن يكون وسيلة للتعبير عن الهوية والروحانية. إنها تجسيد حقيقي لقوة الفن المعاصر في إحداث تغيير إيجابي في العالم.

في الختام، رحلة شولة هي دعوة للتفكير في قوة الفن في بناء الجسور بين الثقافات، وتعزيز التفاهم المتبادل. إنها قصة تستحق أن تُروى، وتُلهم الآخرين لاستكشاف جمال التنوع الثقافي، والاحتفاء بالإبداع في جميع أشكاله. نتمنى لشولة كل التوفيق في مسيرتها الفنية، ونتطلع إلى رؤية المزيد من أعمالها التي تجمع بين الجمال والدقة والروحانية.

شاركها.
اترك تعليقاً