في خطوة أثارت جدلاً واسعاً وتوقعات متباينة، أعلن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن مبادرة جديدة تهدف إلى تحقيق السلام في غزة، وذلك عبر تشكيل ما أسماه بـ “مجلس السلام”. هذا الإعلان، الذي جاء عبر منصته “تروث سوشال”، يمثل تطوراً مفاجئاً في ظل استمرار الأزمة الإنسانية والسياسية المعقدة التي تشهدها المنطقة. يطرح هذا المجلس رؤية جديدة، وإن كانت مثيرة للجدل، لإعادة إعمار القطاع وتأسيس إدارة جديدة، بعد سنوات من الصراع والتوترات.
خلفية الصراع والجهود الدبلوماسية السابقة
لطالما كان الصراع الإسرائيلي الفلسطيني محوراً للعديد من الجهود الدبلوماسية الأمريكية، التي تفاوتت نتائجها بين النجاح والإخفاق. خلال فترة رئاسته الأولى، قدم ترامب مبادرة “صفقة القرن”، والتي تضمنت اتفاقيات أبراهام، وهي سلسلة من اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. ورغم أن هذه الاتفاقيات حققت اختراقاً دبلوماسياً هاماً، إلا أنها لم تحظَ بقبول واسع من الجانب الفلسطيني.
الوضع الحالي في غزة، مع الحرب المدمرة التي عصفت بالقطاع، يفرض تحديات جديدة ويتطلب مقاربة مختلفة. الإعلان عن “مجلس السلام” يأتي في هذا السياق، محاولاً معالجة الأزمة الإنسانية المتفاقمة والبحث عن حلول سياسية مستدامة. السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل ستختلف هذه المبادرة عن المحاولات السابقة، وهل ستنجح في تحقيق السلام في غزة؟
تفاصيل خطة “مجلس السلام” لغزة
وفقاً لتصريحات ترامب، فإن “مجلس السلام” قد تم تشكيله بالفعل، وسيتم الكشف عن أسماء أعضائه في وقت قريب. تتضمن الخطة إنشاء لجنة تكنوقراط فلسطينية مؤلفة من 15 عضواً، مهمتها تولي إدارة الشؤون اليومية في قطاع غزة.
دور اللجنة التكنوقراطية والإشراف الدولي
ستعمل هذه اللجنة بشكل مباشر تحت إشراف “مجلس السلام”، الذي من المتوقع أن يترأسه ترامب شخصياً. يهدف هذا الإشراف إلى ضمان الشفافية والمساءلة في إدارة شؤون القطاع. بالإضافة إلى ذلك، تتضمن الخطة نشر قوة استقرار دولية للمساعدة في الحفاظ على الأمن والنظام، وتوفير برامج تدريبية متخصصة لوحدات الشرطة الفلسطينية المحلية.
هذه القوة الدولية، إلى جانب الشرطة الفلسطينية المدربة، ستلعب دوراً حاسماً في منع أي تصعيد جديد للعنف، وضمان بيئة آمنة لإعادة الإعمار والتنمية. كما تم تكليف المهندس الفلسطيني علي شعث بقيادة جهود إعادة الإعمار في المرحلة الأولى، مما يعكس أهمية الاستعانة بالخبرات المحلية في تنفيذ هذه الخطة الطموحة.
الأهمية والتأثيرات المحتملة للمبادرة
يحمل تشكيل “مجلس السلام” أهمية كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. على الصعيد المحلي، يمثل هذا المجلس أملاً حقيقياً للفلسطينيين في غزة بإنهاء معاناتهم، وبدء مرحلة جديدة من إعادة البناء والتنمية، وتوفير بديل إداري فعال لحكم حماس.
مشاركة دولية وإقليمية واسعة
إقليمياً، تشير التقارير إلى أن دولاً مؤثرة مثل المملكة العربية السعودية، ومصر، وقطر، وتركيا، قد تنضم إلى “مجلس السلام”. بالإضافة إلى ذلك، هناك توقعات بمشاركة قوى دولية كبرى مثل المملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وإيطاليا. إن مشاركة هذه الدول ستمنح المبادرة زخماً سياسياً ومالياً كبيراً، وقد تؤدي إلى إعادة تشكيل التحالفات في منطقة الشرق الأوسط.
على الصعيد الدولي، يعكس هذا التحرك اتجاهاً نحو الدبلوماسية متعددة الأطراف في معالجة الأزمة. تولي الدبلوماسي البلغاري المخضرم نيكولاي ملادينوف، الذي شغل منصب المنسق الخاص السابق للأمم المتحدة لعملية السلام، قيادة العمليات الميدانية، مما يضفي على المبادرة مصداقية وخبرة دولية. هذا التوجه يمثل تحولاً عن الاعتماد على جهود دولة واحدة، نحو شراكة دولية أوسع لتحقيق السلام في غزة.
مستقبل المبادرة والتحديات المحتملة
مع بدء تنفيذ خطة السلام في غزة، والتي أدت – وفقاً لمصادر متعددة – إلى إنهاء الحرب وإطلاق سراح الرهائن، تؤكد الأوساط الفلسطينية أن نجاح المرحلة المقبلة يعتمد بشكل حاسم على استمرار الدعم من الوسطاء والمجتمع الدولي. هذا الدعم ضروري لضمان استدامة الاستقرار، وتحقيق سلام دائم وشامل.
ومع ذلك، لا تخلو المبادرة من التحديات المحتملة. قد تواجه اللجنة التكنوقراطية صعوبات في إدارة شؤون القطاع، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية والإنسانية الصعبة. كما أن وجود قوة استقرار دولية قد يثير بعض الاعتراضات من قبل بعض الأطراف. بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح المبادرة يتوقف على قدرة الأطراف المتنازعة على التوصل إلى اتفاق سياسي شامل يحل القضايا العالقة.
ختاماً، يمثل إعلان ترامب عن “مجلس السلام” خطوة جريئة ومثيرة للجدل في مساعي تحقيق السلام في غزة. يتطلب نجاح هذه المبادرة تعاوناً دولياً وإقليمياً واسعاً، ودعماً مستمراً من المجتمع الدولي، وإرادة سياسية حقيقية من جميع الأطراف المعنية. يبقى أن نرى ما إذا كانت هذه المبادرة ستنجح في تحقيق الهدف المنشود، أم ستنضم إلى قائمة المحاولات الدبلوماسية الفاشلة في المنطقة.















