في خضمّ نقاشات سياسية حادة في فرنسا، أثار تصريح لأحد النواب عاصفة من الغضب والاستنكار، مُعيدًا إلى الأذهان فظائع الماضي الأليم. فقد شبّه النائب من حزب التجمع الوطني، فريديريك-بيير فوس، إجراءً ضريبيًا بجرائم الإبادة الجماعية في رواندا عام 1994، وهو ما أدى إلى ردود فعل غاضبة من مختلف الأطراف السياسية والمنظمات الحقوقية. هذا الحدث يفتح مجددًا ملفّ دور فرنسا في الأحداث المأساوية التي شهدتها رواندا، ويُذكّر بأهمية الحفاظ على الذاكرة الجماعية ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم.

تصريح النائب الفرنسي وإثارته للجدل

أفادت مجلة “جون أفريك” الفرنسية بأن النائب فوس أدلى بهذا التصريح المثير للجدل خلال جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية، حيث قال: “مقاومة الاضطهاد هي ألا نخلط بين المساواة الحقيقية والمزعومة، وألا تتحولوا إلى توتسي لقطع رؤوس الهوتو بحجة أنهم كانوا أطول”. هذا التصريح، الذي جاء في سياق مناقشة حول تخفيض الضرائب على الشركات العائلية، اعتُبر بمثابة تشويه صارخ لتاريخ الإبادة الجماعية في رواندا، وتجاهلًا لمعاناة ضحاياها.

خلفية الإبادة الجماعية في رواندا

من المهم التذكير بأن الإبادة الجماعية في رواندا استهدفت بشكل رئيسي أبناء شعب التوتسي، وراح ضحيتها أكثر من 800 ألف شخص، وفقًا لإحصائيات الأمم المتحدة. وقد نفذت هذه المجازر على يد عناصر متطرفة من قبائل الهوتو، في حملة منظمة تهدف إلى القضاء على التوتسي. التصريح المذكور أعلاه يقلب الحقائق رأسًا على عقب، ويُضفي على الجلاد صفة الضحية، وهو ما أثار غضبًا عارمًا.

ردود الفعل السياسية والاعتذار الجزئي

لم يمرّ تصريح النائب فوس مرور الكرام، إذ واجه انتقادات حادة من مختلف القوى السياسية الفرنسية. رئيسة الكتلة الاجتماعية والبيئية، سيرييل شاتلان، وصفته بالمخزية، واعتبرته بمثابة إنكار خطير للإبادة الجماعية. كما ندد النائب هيرفي بيرفيل، وهو من أصل رواندي وناجي من الإبادة الجماعية في رواندا، بالعبارة “غير المحتملة”، مؤكدًا أنها تُعيد إحياء جروح الماضي.

وعلى الرغم من هذه الانتقادات، قدم النائب جان-فيليب تانغي، ممثل حزب التجمع الوطني، اعتذارًا باسم الكتلة البرلمانية عن تصريح النائب فوس. إلا أن هذا الاعتذار لم يكن كافيًا لتهدئة الغضب، حيث طالب العديد من النواب بفتح تحقيق حول هذا التصريح واتخاذ الإجراءات اللازمة.

اتهامات جديدة لفرنسا بالتواطؤ في الإبادة

تأتي هذه الأحداث في وقت تشهد فيه العلاقات بين فرنسا ورواندا توترًا متزايدًا، بسبب اتهامات متبادلة بالتورط في الإبادة الجماعية في رواندا. ففي ديسمبر الماضي، قدم كل من دافروزا وآلان غوتييه، المعروفان بملاحقتهما للمسؤولين عن الإبادة، و”الائتلاف المدني لرواندا” شكوى جديدة أمام قضاة مكافحة الجرائم ضد الإنسانية في باريس، تتهم بنك فرنسا بـ”التواطؤ في الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية”.

تفاصيل الشكوى ضد بنك فرنسا

تستند الشكوى إلى تحويلات مالية مشبوهة تمت من خلال حساب البنك الوطني الرواندي في بنك فرنسا بين مايو وأغسطس 1994، بقيمة إجمالية تبلغ 3.17 مليون فرنك فرنسي (حوالي 486 ألف يورو). ويُشتبه في أن هذه الأموال استُخدمت لشراء معدات اتصالات وأسلحة، على الرغم من الحظر الذي فرضته الأمم المتحدة في ذلك الوقت. هذه الاتهامات تلقي بظلال من الشك حول دور فرنسا في دعم النظام الرواندي المتورط في الإبادة الجماعية في رواندا.

تقرير 2021 ومسؤولية فرنسا

في عام 2021، نشر تقرير رسمي كشف عن “مسؤولية كبرى وجسيمة” لفرنسا في جرائم الإبادة التي تعرض لها شعب التوتسي في رواندا عام 1994. وأشار التقرير إلى أن فرنسا قدمت دعمًا عسكريًا كبيرًا ومتواصلًا لنظام الهوتو الحاكم في رواندا، على الرغم من سياساته العنصرية التي شجعت على ارتكاب جرائم بحق التوتسي.

التقرير تحدث عن “ثغرة فرنسا في رواندا”، مؤكدًا أنه “لا شيء يثبت تواطؤها” في الإبادة، لكنه في الوقت نفسه اتهم السلطات الفرنسية بغض الطرف عن عمليات التحضير لارتكاب هذه الجرائم. وأشار إلى الإخفاقات الفرنسية بين عامي 1990 و1994، عندما كان الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران في السلطة، مؤكدًا أن فرنسا تكيفت مع الحكومة الرواندية في ذلك الوقت ولم تغير موقفها إلا بعد فوات الأوان.

الخلاصة: ضرورة مواجهة الماضي

إن تصريح النائب الفرنسي، والاتهامات الجديدة الموجهة إلى بنك فرنسا، والتقرير الصادر عام 2021، كلها مؤشرات على أن ملف الإبادة الجماعية في رواندا لا يزال مفتوحًا، وأن هناك حاجة ماسة إلى مواجهة الماضي بكل صدق وشفافية. يجب على فرنسا أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية، وأن تعمل على تعزيز العدالة والمصالحة مع رواندا. كما يجب على المجتمع الدولي أن يظل يقظًا، وأن يتخذ جميع الإجراءات اللازمة لمنع تكرار مثل هذه الفظائع في أي مكان في العالم. إن تذكر ضحايا الإبادة الجماعية هو واجب إنساني، وهو أيضًا أفضل طريقة لضمان مستقبل أفضل للأجيال القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً