لا تقتصر الخصومة الدائمة بين الولايات المتحدة وإيران على الدبلوماسية والعقوبات الاقتصادية والتهديد بضربات عسكرية فحسب، بل يتجلى تأثيرها الأعمق في ميدان آخر، هو الأكثر قدرة على التأثير وفرض النفوذ، بل والتدمير أحيانًا، ألا وهو ميدان الصورة الذي يترسخ في الوعي العام لسنوات طوال. تتحول الدول إلى شخصيات، وتُعاد صياغة التاريخ بما يخدم أهداف صناع العمل ويوافق قوانين الدراما. وهكذا، يخرج المنتج النهائي ساحرًا وجذابًا، كما يليق بفيلم سينمائي أُنتج بجدية، لكنه في الوقت ذاته يكون كاذبًا ومضللًا، كما يليق بمؤلف لحكاية لم تحدث في الواقع قط. هذا الصراع الخفي، الحرب السينمائية بين البلدين، يستحق التأمل والتحليل.

الحرب السينمائية: أداة ناعمة في صراع القوى

تتجاوز المواجهة بين واشنطن وطهران حدود السياسة التقليدية لتصل إلى ساحة الثقافة والفن، وبالأخص السينما. فالأفلام ليست مجرد ترفيه، بل هي أدوات قوية لتشكيل الرأي العام، وترسيخ الصور النمطية، وتبرير السياسات الخارجية. تعتمد كل دولة على صناعة الأفلام لتقديم روايتها الخاصة عن الأحداث، وتصوير الطرف الآخر بطريقة معينة. هذه “الحرب السينمائية” لا تستخدم القنابل والصواريخ، بل تستخدم الأضواء والكاميرات والممثلين لنقل رسائل خفية ومؤثرة.

“أرغو” و”انفصال”: وجهان لعملة واحدة

في سياق هذا الاشتباك السينمائي، يبرز فيلما “أرغو” (Argo) الذي صدر عام 2012، و”انفصال” (A Separation) الذي صدر عام 2011، بوصفهما رأس حربة لكل من المؤسستين: هوليود من جهة، والسينما الإيرانية من جهة أخرى. يشكل هذان العملان معًا نموذجًا حيًا لما يمكن تسميته “حرب الأضواء والظلال”.

لا يتناول “انفصال” و”أرغو” الموضوع نفسه، ولا ينطلقان من رؤية سياسية واحدة، لكنهما يلتقيان في نقطة جوهرية: فكل منهما يقدم رؤية مغايرة تمامًا لإيران، ويتبنى منهجًا مختلفًا في مقاربة مفهوم “الحقيقة” سينمائيًا. “أرغو” يركز على التشويق والإثارة، بينما “انفصال” يغوص في أعماق الواقع الاجتماعي الإيراني.

“أرغو”: إيران كتهديد خارجي

يقدم فيلم “أرغو” قصة إنقاذ دبلوماسيين أمريكيين من طهران خلال أزمة الرهائن عام 1979، من خلال عملية سرية تتنكر في زي طاقم تصوير فيلم خيال علمي. نجح الفيلم في جذب انتباه الجمهور الأمريكي، وحقق نجاحًا تجاريًا ونقديًا كبيرًا. إلا أنه تعرض لانتقادات بسبب تحيزه الواضح وتجاهله لدور كندا في العملية.

يصور “أرغو” إيران كبيئة معادية مليئة بالفوضى والخطر، حيث يتربص المتطرفون بالأمريكيين في كل زاوية. الشخصيات الإيرانية في الفيلم غالبًا ما تكون نمطية وسلبية، مما يعزز الصورة النمطية عن إيران كدولة غير عقلانية وتهدد السلام العالمي. لقد ساهم هذا الفيلم في ترسيخ هذه الصورة في الوعي الجماهيري الغربي، مما أثر على طريقة نظر الناس إلى إيران والسياسات المتبعة تجاهها. إيرادات الفيلم العالمية بلغت قرابة 232.3 مليون دولار، وفوزه بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم عزز مكانته كـ”حقيقة” سينمائية.

“انفصال”: إيران في مرآة الواقع الاجتماعي

على النقيض من ذلك، يقدم فيلم “انفصال” صورة أكثر تعقيدًا وواقعية لإيران. تدور أحداث الفيلم حول قصة عائلتين إيرانيتين تتصارعان مع مشاكل اجتماعية وأخلاقية وقانونية. لا يركز الفيلم على السياسة الخارجية أو الصراع مع الولايات المتحدة، بل يركز على التحديات التي تواجهها الحياة اليومية في إيران.

يكشف “انفصال” عن تأثير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والقانونية على حياة الناس في إيران. يظهر الفيلم كيف يمكن للحياة أن تصبح معقدة وصعبة في ظل هذه الظروف، وكيف يمكن للعلاقات الأسرية أن تتصدع بسببها. على الرغم من أن الفيلم لا يهاجم الولايات المتحدة بشكل مباشر، إلا أنه يلقي الضوء على الآثار السلبية للسياسات الخارجية الأمريكية على حياة الناس في إيران. فوزه بالدب الذهبي في برلين وجائزة الأوسكار لأفضل فيلم أجنبي كان بمثابة اعتراف دولي بقيمة الفيلم الفنية والاجتماعية. هذا النجاح ساهم في تغيير الصورة النمطية عن السينما الإيرانية وتقديمها كقوة فنية مؤثرة.

الخلاصة: حرب مستمرة على الوعي

تُظهر المقارنة بين “أرغو” و”انفصال” كيف يمكن للسينما أن تستخدم كأداة في الحرب الناعمة بين الدول. كل فيلم يقدم رؤية مختلفة لإيران، ويعتمد على أساليب مختلفة في سرد القصص. “أرغو” يركز على الإثارة والتشويق، بينما “انفصال” يركز على الواقعية والتعقيد.

في النهاية، يترك هذان الفيلمان انطباعًا مختلفًا لدى المشاهدين، ويساهمان في تشكيل آرائهم حول إيران. إنها حرب مستمرة على الوعي، حيث تسعى كل دولة إلى تقديم روايتها الخاصة عن الأحداث، وتصوير الطرف الآخر بطريقة تخدم مصالحها. لذا، من المهم أن نشاهد هذه الأفلام بعين ناقدة، وأن ندرك أنها ليست مجرد انعكاس للواقع، بل هي أيضًا منتجات ثقافية وسياسية. تشجيع الحوار حول هذه الأفلام وتحليلها بشكل معمق يمكن أن يساعدنا في فهم أعمق للصراع بين الولايات المتحدة وإيران وتأثيره على العالم.

شاركها.
اترك تعليقاً