أثارت الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها واشنطن، والتي تشمل الضغط على قطاع النفط الفنزويلي وتصعيدها ضد إيران، تساؤلات جوهرية حول الأهداف الحقيقية من هذه السياسات في أسواق الطاقة العالمية. هل تهدف هذه الإجراءات إلى مجرد تقويض المنتجين الخاضعين للعقوبات، أم أنها تسعى بشكل استراتيجي إلى زيادة تكلفة الطاقة على الصين من خلال الحد من إمدادات النفط الرخيص؟ يبدو أن الإجابة تتجه نحو الخيار الثاني، حيث تشير التقارير إلى تصميم دقيق لآليات إنفاذ العقوبات بهدف تعطيل وصول الصين إلى النفط المستهدف، سواء عبر الضغط المباشر على الدول المنتجة أو من خلال استهداف مسارات الشحن والعقود التجارية. هذا التحول يضع أسواق النفط في حالة ترقب، ويستدعي تحليلًا معمقًا للدوافع الكامنة وراء هذه التحركات.
الضغط على فنزويلا وإيران: رسائل موجهة لبكين
في مطلع شهر يناير 2026، نفذت الولايات المتحدة عملية أدت إلى تغيير القيادة في فنزويلا، وهو ما اعتبره مسؤولون أميركيون رسالة مباشرة إلى الصين. هذه الرسالة تحث بكين على الابتعاد عن منطقة الأميركتين، ووضع حد لمرحلة الاستفادة من النفط الرخيص الذي تحصل عليه عبر نفوذ الديون. في الوقت نفسه، وصفت صحيفة الإندبندنت هذه الخطوة بأنها اختبار لقدرة الصين على الاعتماد على النفط الخاضع للعقوبات.
وتؤكد البيانات الصادرة عن شركة كيبلر (Kpler) المتخصصة في تحليل بيانات التجارة العالمية، أن حجم النفط الخاضع للعقوبات بلغ مستوى قياسيًا، يقارب 15% من إمدادات النفط العالمية. وتشير الإحصائيات إلى أن الصين كانت تستورد حوالي ثلث وارداتها النفطية من إيران وروسيا وفنزويلا مجتمعة. إعادة توجيه النفط الفنزويلي، الذي كان يصل إلى الموانئ الصينية عبر قنوات غير رسمية، نحو مصافي ساحل الخليج الأميركي، حرمت الصين من مصدر هام للنفوط الثقيلة بأسعار مخفضة.
تلاشي الخصومات السعرية: التكلفة الحقيقية للوصول إلى النفط
أدت هذه التحولات إلى اضطرار المصافي الصينية للبحث عن بدائل، سواء من خلال خامات أخرى أو من خلال موردين خاضعين للعقوبات أيضًا. لكن الأهم من ذلك، هو تقليص الخصم السعري الذي كانت تستفيد منه بكين. فقد كانت الصين تحصل على النفط الفنزويلي بخصومات كبيرة مقارنة بالخامات الأخرى.
تقارير شركة أرغوس ميديا (Argus Media) كشفت أن الصين كانت توفر حوالي 9 دولارات للبرميل على شحنات النفط الفنزويلي في نوفمبر مقارنة بالخام الكندي الثقيل المماثل. وفي يناير الحالي، كانت شحنات خام ميري الفنزويلي المعروضة للتسليم إلى الموانئ الصينية تحمل خصمًا يتراوح بين 10 و 12 دولارًا للبرميل مقارنة بعقود خام برنت، قبل التدخل الأمريكي. لكن بعد سيطرة الولايات المتحدة على مبيعات الخام الفنزويلي، ارتفعت الخصومات بشكل كبير، حيث عُرضت بعض الشحنات بخصم يصل إلى 30 دولارًا للبرميل، مما يعكس المخاطر المتزايدة.
آليات الالتفاف وارتفاع تكاليف الشحن
على الرغم من العقوبات، استمر تدفق النفط الخاضع للعقوبات إلى الصين عبر سلسلة من آليات الالتفاف المعقدة. وتشمل هذه الآليات عمليات النقل من سفينة إلى أخرى، وإطفاء أو تغيير إشارات أنظمة التعريف الآلي (AIS)، وتغيير أعلام السفن بشكل متكرر، وإعادة تصنيف منشأ الشحنات عبر وسطاء. إيران، على وجه الخصوص، اعتمدت على ما يُعرف بـ “أسطول الظل” لإخفاء عمليات الشحن.
لكن هذه الممارسات لم تخلُ من التكاليف. فقد أظهرت التقارير أن مصادرة ناقلات، وتعطّل أكثر من 11 مليون برميل على متن سفن عالقة، وإضافة بنود مخاطر وحرب في عقود الشحن، قد رفعت التكلفة الإجمالية للبرميل المتجه إلى الصين بشكل تراكمي. تحليل لبلومبيرغ أشار إلى أن فترات الانتظار الطويلة، وارتفاع أقساط التأمين، وتكلفة إعادة توجيه السفن، وتعقيد التسويات المالية، قد استهلكت جزءًا كبيرًا من الخصم الاسمي الذي كانت تستفيد منه الصين. هذا يعني أن سعر النفط الفعلي الذي تدفعه الصين قد ارتفع بشكل كبير، حتى مع استمرار حصولها على النفط بخصومات ظاهرية.
الرسوم الجمركية على إيران: تصعيد إضافي
في خطوة تصعيدية أخرى، أعلن الرئيس ترامب في 13 يناير 2026 فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على أي دولة تتعامل تجاريًا مع إيران. هذا الإجراء استهدف بشكل مباشر الصين، باعتبارها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني. وتشير بيانات شركة كيبلر إلى أن الصين تشتري ما يقرب من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا. في العام الماضي، استوردت الصين في المتوسط 1.38 مليون برميل يوميًا من النفط الإيراني، وهو ما يمثل حوالي 13.4% من إجمالي وارداتها النفطية البحرية.
هذه الإجراءات أثارت جدلاً واسعًا بين الخبراء الاقتصاديين حول قابليتها للتنفيذ وجدواها. وحذرت ويندي كاتلر، المستشارة التجارية الأميركية السابقة، من أن هذه الخطوة تكشف هشاشة أي هدنة تجارية بين الولايات المتحدة والصين. في المقابل، انتقد موريس أوبسفيلد، كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، الإجراء ووصفه بأنه مُضرّ بالاقتصاد الأميركي وغير مرجح أن يغير سلوك إيران.
الخلاصة: إعادة تشكيل ديناميكيات الطاقة العالمية
يبدو أن الولايات المتحدة لا تهدف فقط إلى معاقبة إيران وفنزويلا، بل إلى إعادة تشكيل ديناميكيات الطاقة العالمية وتقويض النفوذ الاقتصادي للصين. من خلال الضغط على مصادر النفط الرخيصة التي تعتمد عليها الصين، تسعى واشنطن إلى زيادة تكلفة الطاقة على بكين وإجبارها على إعادة تقييم استراتيجياتها التجارية.
على الرغم من أن هذه السياسات قد تكون لها آثار سلبية على الاقتصاد الأميركي، إلا أنها تعكس عزمًا أميركيًا متزايدًا على مواجهة التحدي الصيني في مجال الطاقة. من المرجح أن نشهد المزيد من التصعيد في هذا الصراع، مما سيؤدي إلى زيادة التقلبات في أسواق النفط العالمية. يبقى السؤال مفتوحًا حول ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستنجح في تحقيق أهدافها، أم أنها ستؤدي إلى تفاقم التوترات وتعميق الانقسامات في النظام العالمي. لمتابعة آخر التطورات في هذا المجال، ندعوكم إلى الاشتراك في نشرتنا الإخبارية وزيارة موقعنا بانتظام.















