يُعد مرصد أوكايمدن، الواقع في قلب جبال الأطلس بالمغرب على ارتفاع 2750 متراً فوق سطح البحر، من أبرز المراكز الفلكية في أفريقيا والعالم العربي. يتميز هذا المرصد بصفاء سمائه وارتفاعه الذي يجعله موقعاً مثالياً لرصد الأجرام السماوية، بعيداً عن التلوث الضوئي والرطوبة التي تعيق عمل المراصد الأخرى. وقد أصبح وجهة رئيسية للباحثين وهواة الفلك من جميع أنحاء العالم، مما يعزز مكانة المغرب في مجال علم الفلك.

تأسس المرصد عام 2007 على يد جامعة القاضي عياض بمراكش، بعد دراسات ميدانية أثبتت أن المنطقة تتمتع بظروف رصد فلكي استثنائية، تضاهي تلك الموجودة في مراصد عالمية مرموقة مثل مرصد “لا سيلا” في تشيلي. ومنذ ذلك الحين، شهد المرصد تطوراً مستمراً في بنيته التحتية ومعداته العلمية، ليصبح مركزاً رائداً للبحث العلمي والتعليم في مجال الفلك.

الأهمية العلمية لمرصد أوكايمدن

تكمن أهمية مرصد أوكايمدن في قدرته على إجراء أبحاث فلكية متقدمة، بفضل موقعه المتميز وتلسكوباته الحديثة. وقد ساهم المرصد في العديد من الاكتشافات العلمية الهامة، بما في ذلك دراسة حلقة كثيفة حول الكويكب “كواوهار”، وهو اكتشاف نُشر في مجلتي “نيشر” و”أسترونومي” في عام 2026. هذا البحث يساهم في فهم أفضل لتشكيل الحلقات حول الأجرام الصغيرة في النظام الشمسي.

بالإضافة إلى ذلك، يركز المرصد على رصد الكويكبات والمذنبات المقتربة من الأرض، مما يساعد في تقييم المخاطر المحتملة لهذه الأجرام. وقد تمكن فريق المرصد من رصد أكثر من 200 كويكب ومذنب، ونشر بياناتهم في قواعد البيانات الدولية، مما يعزز التعاون العلمي بين المغرب والدول الأخرى.

التلسكوبات والمعدات المتطورة

يضم مرصد أوكايمدن مجموعة متنوعة من التلسكوبات والمعدات العلمية المتطورة، بما في ذلك تلسكوب “ترابست الشمالي”، وهو توأم لتلسكوب “ترابست الجنوبي” في تشيلي. يُشغَّل هذا التلسكوب عن بعد من قبل فريق دولي، ويستخدم في البحث عن الكواكب النجمية خارج المجموعة الشمسية. كما يضم المرصد تلسكوبات أخرى متوسطة الحجم، تستخدم في رصد الكويكبات والمذنبات وتحليل خصائصها.

تتيح قوة التلسكوبات في المرصد مراقبة أجرام ذات لمعان منخفض يصل إلى القدر الظاهري 21.5، مما يتيح اكتشاف أجسام صغيرة جداً على مسافات بعيدة. ويشكل هذا القدر من الدقة ميزة تنافسية للمرصد في مجال البحث الفلكي.

التعاون الدولي ودوره في تطوير علم الفلك

يعتمد مرصد أوكايمدن بشكل كبير على التعاون الدولي في تطوير بنيته التحتية وتنفيذ أبحاثه العلمية. ويشمل هذا التعاون شراكات مع جامعات أوروبية مرموقة، مثل جامعة لييج البلجيكية، ومع مراصد عالمية رائدة، مثل مرصد “لا سيلا” في تشيلي. كما يستفيد المرصد من خبرات علماء الفلك المستقلين، الذين يساهمون في مشاريع بحثية مشتركة.

يساهم هذا التعاون في تبادل المعرفة والخبرات، وتوفير التمويل اللازم لتطوير المعدات العلمية، وتنفيذ مشاريع بحثية طموحة. كما يتيح للمرصد المشاركة في شبكات علمية دولية، مثل “مركز الكواكب الصغيرة” وبرامج رصد الكواكب النجمية.

التعليم والتوعية المجتمعية

لا يقتصر دور مرصد أوكايمدن على البحث العلمي، بل يمتد ليشمل التعليم والتوعية المجتمعية. وينظم المرصد زيارات مدرسية وجامعية بشكل دوري، يقدم خلالها ورش عمل حول الرصد الفلكي واستخدام التلسكوبات. كما ينظم أنشطة لعامة الناس، تشمل جلسات التصوير الفلكي ومراقبة النجوم والكواكب والمذنبات.

تهدف هذه الأنشطة إلى تشجيع الشباب على الاهتمام بعلوم الفلك، وتوفير فرص تعليمية للطلاب والباحثين. كما تساهم في نشر الثقافة العلمية في المجتمع، وتعزيز الوعي بأهمية حماية البيئة الفلكية.

يستعد مرصد أوكايمدن لمشاريع مستقبلية طموحة، بما في ذلك بناء تلسكوب جديد بقطر 2 متر، وتوسيع برنامج رصد السماء في أوكايمدن. كما يخطط المرصد لإنشاء محمية سماء داكنة، لتكون الأولى من نوعها في شمال أفريقيا، مما سيعزز من جودة الرصد ويجذب السياح المهتمين بعلوم الفلك. من المتوقع أن يتم الانتهاء من هذه المشاريع خلال السنوات القليلة القادمة، مما سيساهم في ترسيخ مكانة مرصد أوكايمدن كمركز فلكي رائد على المستوى الإقليمي والدولي. يبقى التمويل المستدام وتطوير الكفاءات المحلية من أهم التحديات التي تواجه المرصد في تحقيق أهدافه المستقبلية.

شاركها.
اترك تعليقاً