تعتبر الغربة موضوعًا محوريًا في السينما العالمية، فهي ليست مجرد انتقال جغرافي، بل رحلة عميقة في صميم الهوية الإنسانية، مليئة بالصراعات والتحديات والتحولات. لطالما كانت قصص المهاجرين مصدر إلهام لصناع الأفلام، وقدمت لنا أعمالًا فنية خالدة استكشفت جوانب مختلفة من هذه التجربة المعقدة. من “العراب” الذي يجسد طموح المهاجر وثمنه، إلى “سكارفيس” الذي يرصد الانزلاق نحو العنف، وصولًا إلى أحدث الأفلام التي تتناول هذا الموضوع، تظل الغربة مساحة درامية لا تنضب.
فيلم “الوحشي”: نظرة جديدة على تجربة الغربة والهوية
يدخل فيلم “الوحشي” (The Brutalist) للمخرج برادي كوربيت إلى هذا المجال الغني، ليقدم منظورًا فريدًا حول تجربة المهندس المعماري لازلو توث، المهاجر الأوروبي إلى أمريكا بعد الحرب العالمية الثانية. الفيلم لا يقتصر على سرد قصة كفاح مهاجر من أجل البقاء والاندماج، بل يتجاوز ذلك إلى تأمل أعمق في العلاقة بين الإبداع، والسلطة، ورأس المال، والأيديولوجيا في المجتمع الأمريكي.
لازلو توث: صدمة النزوح وطموح إعادة البناء
يحمل لازلو توث معه إلى أرض الأحلام الجديدة صدمة النزوح التي تركت أثرًا عميقًا في نفسه. يدفعه طموحه إلى إعادة بناء حياته في بلد يعد بالفرص، ولكنه يجد نفسه في مواجهة واقع مختلف تمامًا. يواجه توث في البداية التهميش والرفض، حيث لا تتوافق رؤيته الجمالية الصارمة مع الأذواق السائدة في أمريكا، التي تميل إلى الزخرفة والراحة البصرية. هذه الفترة تمثل تحديًا حقيقيًا للمهاجر الذي يسعى لإثبات ذاته في بيئة جديدة.
صعود تحت أعين السلطة وتنازلات لا مفر منها
تبدأ الأمور في التغير عندما يلفت انتباه أحد النافذين، الذي يرى في أسلوبه المعماري الصلب أداة مثالية لتجسيد القوة والهيبة المؤسسية. من هنا، تبدأ مسيرة الصعود المهني لتوث، حيث يحصل على تكليفات كبرى ويتحول مشاريعه من مجرد أفكار إلى مبانٍ ضخمة من الخرسانة. لكن هذا الصعود لا يخلو من الثمن، فكل خطوة إلى الأمام تتطلب تنازلًا غير معلن، سواء كان قبول تدخل الممولين، أو تعديل الرؤية الأصلية، أو الصمت حيال استخدام العمارة كأداة رمزية للسلطة.
العمارة كلغة للهيمنة: انعكاس للصراع الداخلي
يقدم كوربيت في “الوحشي” العمارة ليس فقط كفن، بل كلغة للهيمنة، وكوسيلة للتعبير عن السلطة والسيطرة. المباني التي يصممها توث تصبح انعكاسًا لعلاقته المعقدة بالنظام الذي يحتضنه، وعلاقة غير متكافئة بين الفنان والمجتمع. في الوقت نفسه، تتآكل حياة توث الشخصية بالتوازي مع نجاحه المهني، وتتوتر علاقاته العائلية، ويصبح حضوره الإنساني باهتًا مقارنة بحضوره المهني.
أداء أدريان برودي: تجسيد عميق لصراع المهاجر
يستحق الممثل أدريان برودي الإشادة على أدائه المتقن في تجسيد شخصية لازلو توث. فهو ينجح في نقل صراع المهاجر الداخلي، بين الامتنان لفرصة الاستقرار والاعتراف، وبين الشعور المتزايد بأن اندماجه لم يكن كاملًا، بل إعادة تشكيل لهويته. كما أن الممثلة فيليسيتي جونز، التي جسدت دور الزوجة إرزيبيت، تضيف بعدًا عاطفيًا مؤثرًا للفيلم، بينما يجسد غاي بيرس شخصية رجل الأعمال الذي يمثل وجه السلطة ببراعة.
“الوحشي” والسينما الملحمية: رفض الاستهلاك السريع
يتميز فيلم “الوحشي” بإيقاعه البطيء، ورفضه للكفاءة السردية التقليدية. يصر كوربيت على أن يشعر المشاهد بثقل الزمن، وأن يتأمل في الاختيارات ونتائجها. هذا النهج يضع الفيلم في مواجهة نموذج الاستهلاك السريع الذي تتبعه منصات البث، ويوجهه نحو طموح متجدد للسينما الملحمية التي تتطلب الصبر والانتباه. الغربة هنا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي قوة دافعة تشكل مسار القصة وتعمق تأثيرها.
الفيلم كرسالة: ثمن النجاح في عالم السلطة
يطرح الفيلم سؤالًا جوهريًا حول ثمن النجاح في عالم تهيمن عليه السلطة ورأس المال. فكلما أصبحت المباني التي يصممها توث أكثر رسوخًا، بدا هو نفسه أكثر هشاشة وعزلة. الهوية تصبح سلعة قابلة للتفاوض، والحلم الأمريكي يتحول إلى وهم. “الوحشي” لا يقدم حلولًا سهلة، بل يترك المشاهد يتأمل في هذه المفارقات المعقدة. كما يبرز الفيلم أهمية الذاكرة في تشكيل فهمنا للواقع، وكيف أن الماضي يؤثر على الحاضر والمستقبل.
في الختام، فيلم “الوحشي” ليس مجرد سيرة فنية لمهندس معماري، بل هو تأمل عميق في تجربة الغربة، والصراع من أجل الهوية، وثمن الطموح في عالم لا يعترف إلا بالقوة. إنه عمل سينمائي متمرد يتطلب الصبر والتأمل، ويقدم لنا نظرة نقدية للحلم الأمريكي من منظور مختلف. ندعوكم لمشاهدة الفيلم والتفاعل مع أفكاره، ومشاركة آرائكم حول هذه القصة المؤثرة.















