تطورات الأوضاع في شمال شرق سوريا: هل تقترب “قسد” من نهاية حكمها الذاتي؟
شهدت الأيام الأخيرة تطورات متسارعة في شمال شرق سوريا، تتصدرها محادثات بين الحكومة السورية الانتقالية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد”، والتي كشف مستشار الرئيس الشرع، أحمد موفق زيدان، عن عدم تحقيقها للنتائج المرجوة. تتناول هذه المقالة تفاصيل هذه المحادثات، التحديات التي تواجهها، والسيناريوهات المحتملة للمنطقة، مع التركيز على مستقبل قسد ودورها في سوريا. تأتي هذه التطورات في ظل سياق إقليمي ودولي معقد، يشمل مصالح متضاربة لقوى مختلفة، بما في ذلك الولايات المتحدة وتركيا وروسيا.
تفاصيل الاجتماع بين الشرع وعبدي: اتهامات بالابتزاز وانقسامات داخلية
أفاد أحمد موفق زيدان بأن الاجتماع الذي عقده مع قائد “قسد”، مظلوم عبدي، لم يكن “جيدًا أو على قدر التطلعات”. ووجه زيدان اتهامًا مباشرًا للأكراد بـ”ابتزاز” الدولة السورية، مستخدمين سجون تنظيم “داعش” كورقة ضغط. كما أشار إلى فرار عناصر من “داعش” من السجون التي كانت تحت سيطرة “قسد” بعد سيطرة الحكومة السورية على مدينة الشدادي، وهو ما أثار جدلاً واسعًا حول مسؤولية هذا الخرق الأمني.
وقد أعلنت “قسد” بالفعل عن فرار حوالي 1500 سجين من تنظيم “داعش” من سجن الشدادي، ملقية باللوم على القوات الحكومية. هذا التطور يثير مخاوف جدية بشأن عودة نشاط التنظيم الإرهابي في المنطقة، ويضع الحكومة السورية و”قسد” في موقف صعب.
إضافة إلى ذلك، كشف زيدان عن وجود انقسامات داخل “قسد”، مشيرًا إلى أن أي اتفاق مع الحكومة السورية لا يلقى قبولاً من قبل تيار قنديل، الذي يعتبر الأكثر نفوذاً داخل التنظيم. ويرجع ذلك إلى “سيطرة العقلية المليشياوية” على هذا التيار، والذي يميل إلى الحفاظ على استقلاليته عن الحكومة المركزية. في المقابل، أكد زيدان التزام الحكومة بالحفاظ على حقوق المكون الكردي، مشيرًا إلى المرسوم الرئاسي الأخير الذي يهدف إلى تحقيق ذلك.
الضغط على “قسد” وإنهاء حلم اللامركزية
يبدو أن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع قد وضع خطة محكمة لاستعادة السيطرة على شمال شرق سوريا، من خلال اتباع أسلوب “القضم” التدريجي. بدأ ذلك بالدخول في مفاوضات مع “قسد” لتطبيق اتفاق 10 مارس، ثم تعزيز الوجود العسكري في مناطق مثل الأشرفية وحي الشيخ مقصود في حلب، وصولًا إلى التحالف مع العشائر العربية السورية.
هذه الخطوات، بالإضافة إلى الظروف الإقليمية والدولية المواتية، مكنت الشرع من ممارسة ضغط متزايد على “قسد”. وتعتبر هذه التطورات بمثابة نهاية لحلم اللامركزية الذي طالبت به “قسد” لعقود. وعلى الرغم من رفض بعض القيادات الكردية لهذا التوجه، إلا أن عبدي اضطر إلى التوقيع على الاتفاق في دمشق، في ظل استمرار الاشتباكات المحدودة في الرقة والحسكة، مما يشير إلى أن الاتفاق قد لا يصمد طويلاً.
سيناريوهات المرحلة المقبلة: من الحشد العسكري إلى الحلول السياسية
تتجه الأنظار الآن نحو مستقبل شمال شرق سوريا، وما إذا كانت الأمور ستتجه نحو مزيد من التصعيد العسكري أو نحو حلول سياسية. في حال استمرار الحشد العسكري وتحول الوضع إلى حرب شوارع، قد تلجأ الحكومة السورية إلى السيطرة على جبل عبد العزيز، وهو نقطة استراتيجية حاسمة قد تنهي المعركة. لكن هناك مخاوف من تكرار سيناريوهات مماثلة شهدتها مناطق أخرى في سوريا، مثل الساحل أو السويداء.
المفاوضات الكردية السورية وصلت إلى نقطة حرجة، حيث قدم الشرع لمظلوم عبدي عرضًا يتضمن منصب نائب وزير الدفاع وترشيح محافظ للحسكة، مقابل تحييد حزب العمال الكردستاني (PKK) الذي يسيطر على تيار قنديل. كما اشترط الشرع دخول قوات الأمن الداخلي إلى مدينة الحسكة، وهو ما رفضه عبدي الذي أصر على بقاء المدينة تحت إدارة “قسد” بشكل كامل.
وقد رفض الشرع منح عبدي مهلة للتشاور، مطالبًا برد نهائي في نهاية اليوم، مهددًا بالحل العسكري وإبلاغ المجتمع الدولي بالانسحاب. وفي هذا السياق، أجرى الشرع اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، لمناقشة آخر التطورات، وخاصة الوضع الكردي، ومكافحة تنظيم “داعش”، وإنهاء تهديداته.
البحث عن غطاء أمريكي وتداعيات الاتفاق على المنطقة
يُنظر إلى مكالمة الشرع مع ترامب على أنها محاولة للحصول على غطاء أمريكي للمضي قدمًا في عمليته العسكرية أو السياسية ضد الأكراد. كما يسعى الشرع إلى استمالة ترامب لحل المسائل المتعلقة بإسرائيل والعقوبات المفروضة على سوريا.
وعلى الصعيد الميداني، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن بدء عمليات تفتيش وتمشيط دقيقة ومنظمة داخل مدينة الحسكة ومحيطها، بهدف ملاحقة العناصر الفارّة من “داعش” وضمان حفظ الأمن والاستقرار. وقد أسفرت هذه العمليات عن إلقاء القبض على 81 عنصرًا من الفارّين.
في الختام، تشهد شمال شرق سوريا لحظة مفصلية في تاريخها. مستقبل قسد معلق بين خيارات صعبة، تتراوح بين الاندماج في الدولة السورية، أو مواجهة عسكرية محتملة، أو الاستمرار في حالة من عدم الاستقرار. من المؤكد أن التطورات القادمة ستكون حاسمة في تحديد ملامح المنطقة، وتأثيرها على مستقبل سوريا ككل. نحن نراقب عن كثب هذه التطورات، وسنواصل تقديم التحليلات والتغطية الشاملة لقرائنا.















