في السنوات الأخيرة، شهدت السينما الكورية الجنوبية تطوراً ملحوظاً، خاصة في مجال أفلام الحركة والإثارة. أحد أبرز سمات هذا التطور هو تصوير العنف بطريقة فريدة، لا تقتصر على الإثارة البصرية، بل تتجاوزها إلى استكشاف أعمق للقضايا الاجتماعية والسلطوية. لم يظهر هذا العنف من فراغ، بل تغذى من مصادر متعددة، أبرزها تأثير السينما الهوليودية والتحولات الاجتماعية العميقة التي شهدها المجتمع الكوري الجنوبي في القرن العشرين.
جذور العنف في السينما الكورية: هوليوود والمجتمع
يمكن تتبع جذور العنف في السينما الكورية إلى عاملين رئيسيين. أولاً، محاولة السينمائيين الكوريين استلهام أساليب الإخراج والقصص من الأفلام الهوليودية، والتي غالباً ما تتضمن مشاهد عنف مكثفة. لم يكن الهدف هو التقليد الأعمى، بل السعي إلى تقديم أعمال قادرة على المنافسة على المستوى الدولي.
ثانياً، والأكثر أهمية، هو السياق الاجتماعي والسياسي الذي نشأت فيه السينما الكورية. شهد المجتمع الكوري الجنوبي تحولات جذرية في القرن العشرين، بدءاً من التحديث السريع والتصنيع، وصولاً إلى الصراعات الطبقية الحادة التي تفاقمت مع صعود الرأسمالية. هذه التحولات خلقت بيئة خصبة لظهور العنف، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، وهو ما انعكس بدوره على الشاشة.
العنف كلغة للكشف عن الخلل المجتمعي
لم يستخدم المخرجون الكوريون الجنوبيون العنف كغاية في حد ذاته، بل كأداة لكشف الخلل المجتمعي والسلطوي. ففي العديد من الأفلام، يمثل العنف رد فعل على الظلم والقمع، أو وسيلة للتعبير عن الغضب والإحباط. كما أنه يكشف عن هشاشة المؤسسات وانعدام الثقة في السلطة.
يتميز العنف في السينما الكورية بطابعه الخاص، فهو ليس مجرد استعراض للقدرات الجسدية أو إشباع للغرائز البدائية، بل هو وظيفة اجتماعية منظمة. في أفلام الجريمة وروايات الانتقام، نرى القتلة يعملون ضمن هياكل مؤسسية صارمة، يخضعون للتدريب والتقييم، ويمكن الاستغناء عنهم إذا فشلوا في أداء مهامهم.
فيلم “مانتيس” (Mantis): دراسة في العنف المؤسسي
يعد فيلم “مانتيس” (Mantis) للمخرج لي تاي سونغ، والذي يعرض حالياً على منصة “نتفليكس”، مثالاً بارزاً على هذا النوع من السينما. الفيلم يقدم عالمًا للقتلة المحترفين، تحكمه قوانين وأخلاقيات خاصة. لكن هذه القوانين سرعان ما تنهار، مما يؤدي إلى حالة من الفوضى العارمة.
يطرح الفيلم سؤالاً جوهرياً: من ينجو إذا سقط القانون؟ وهو بذلك يستكشف طبيعة العنف وتأثيره على الأفراد والمجتمع. “مانتيس” ليس مجرد فيلم حركة، بل هو دراسة متعمقة في العنف المؤسسي، وكيف يمكن أن يتحول إلى قوة مدمرة عندما تفقد السيطرة.
صلة “مانتيس” بفيلم “اقتل بوكسون” (Kill Boksoon)
يعتبر فيلم “مانتيس” امتداداً لعالم القتلة الذي ظهر في فيلم “اقتل بوكسون” (Kill Boksoon) للمخرج بيون سونغ هيون. العنف هنا ليس مجرد أداة للقتل، بل هو جزء لا يتجزأ من هوية الشخصيات وصراعاتها الداخلية.
بينما يركز “اقتل بوكسون” على التوازن بين الحياة الشخصية والمهنية للقاتلة، يتجه “مانتيس” نحو استكشاف حالة عدم الاستقرار التي تسود مهنة القتل نفسها. الفيلم يغوص في أعماق هذا العالم المظلم، ويكشف عن الجوانب الخفية التي لم تظهر في “اقتل بوكسون”.
شخصيات الفيلم وديناميكيات الصراع
تدور أحداث “مانتيس” حول هان-أول، القاتل الأسطوري الذي يعود إلى عالم القتل ليجده في حالة فوضى. يصبح هان-أول هدفاً للجميع، حيث يسعى كل طرف إلى استغلال مهاراته وشهرته لتحقيق مكاسب شخصية.
يشتعل الصراع بين هان-أول ورفيقه السابق جاي يي، الذي يجسد التنافس المهني والطموح الشخصي. كما يظهر دوك غو، القاتل المتقاعد الذي يغري بالعودة إلى عالم العنف، ليضيف بعداً جديداً للفيلم يتعلق بصراع الأجيال. هذا الصراع لا يقتصر على الرتبة والمكانة، بل يمتد إلى فكرة تشكيل المستقبل وتحديد من سيقوم بذلك.
العنف والانضباط: سمات مميزة لسينما الحركة الكورية
يتميز فيلم “مانتيس” بتصميم مشاهد القتال المتقن، والذي يعكس الانضباط والاحترافية التي يتحلى بها القتلة. الكاميرا تتبع الحركة عن كثب، وتسلط الضوء على كل ضربة ومراوغة. لا توجد لقطات بطيئة أو مؤثرات صوتية مبالغ فيها، بل كل حركة تؤدي وظيفة عملية.
هذا الانضباط يعكس أيضاً الرؤية الفلسفية للفيلم، والتي ترى أن العنف ليس مجرد فعل عشوائي، بل هو نتيجة لتدريب وتخطيط دقيقين. المؤسسات لا تسيطر على العنف فحسب، بل تمنحه المعنى والقيمة. عندما تنهار هذه المؤسسات، يصبح العنف بلا هدف، ويتحول إلى منافسة شرسة من أجل البقاء.
خلاصة: “مانتيس” كجزء من تراث سينمائي
في الختام، يندرج فيلم “مانتيس” ضمن تراث طويل من أفلام الإثارة والحركة التي تتناول السلطة من خلال العنف. الفيلم لا يسأل عن مبررات العنف، بل يسأل عمن يسيطر عليه. على الرغم من أنه قد لا يصل إلى العمق الإنساني والعاطفي لفيلم “اقتل بوكسون”، إلا أنه يقدم رؤية فريدة ومثيرة للتفكير حول طبيعة العنف وتأثيره على الأفراد والمجتمع.
إذا كنت من محبي أفلام الحركة والإثارة، فلا تفوت فرصة مشاهدة “مانتيس” على منصة “نتفليكس”. الفيلم سيأخذك في رحلة مثيرة إلى عالم القتلة المحترفين، وسيجعلك تتساءل عن حدود القانون والأخلاق. شاركنا رأيك في الفيلم بعد مشاهدته!















