تزايد الانتقادات لروسيا في أفريقيا: شهادات صادمة تكشف الوجه الآخر لـ “فاغنر”
شهدت الدبلوماسية الروسية في أفريقيا، التي كانت تحظى بسمعة متنامية كشريك موثوق به، تحولاً ملحوظاً في الآونة الأخيرة. فبعد فترة من التقديم لمرتزقة “فاغنر” كقوة مساعدة في مكافحة الإرهاب، بدأت شهادات صادمة من داخل القارة في الظهور، تكشف عن ممارسات وحشية وانتهاكات خطيرة. هذه الشهادات تلقي بظلال من الشك على الدور الروسي وتثير تساؤلات حول الأهداف الحقيقية من وراء تواجدها المتزايد في أفريقيا، خاصة فيما يتعلق بـ نفوذ روسيا في أفريقيا.
مالي.. من الإنقاذ إلى “السقوط إلى الهاوية”
أثار مقال للصحفي النيجيري عمارو سانو في مالي ضجة كبيرة، حيث وصف الوضع المتدهور في البلاد بأنه “سقوط إلى الهاوية” بعد تدخل مجموعة فاغنر. وأشار سانو إلى أن الجماعات الجهادية تستعيد قوتها وتتقدم نحو العاصمة باماكو، بينما يواجه المدنيون الموت بأعداد غير مسبوقة.
ووفقاً لسانو، فإن المرتزقة الذين تم الترويج لهم في البداية كـ “محررين” قد حولوا مالي إلى “مقبرة للآمال الكاذبة”. كما شدد على أن وحشية وعنصرية مقاتلي فاغنر لا تقل عن تلك التي تمارسها روسيا ضد أقلياتها العرقية داخل البلاد. هذا التحول السلبي في الوضع الأمني والإنساني في مالي يمثل نقطة تحول في نظرة العديد من الأفارقة إلى الدور الروسي في أفريقيا.
ردود فعل روسيا والبروباغاندا المضادة
لم تتأخر روسيا في الرد على هذه الانتقادات. فقد هاجمت سفارتها في نيجيريا عمارو سانو بشدة، واتهمته بنشر أخبار كاذبة. هذا الهجوم دفع سانو إلى التساؤل عما إذا كانت روسيا تخشى وجود صحافة حرة في أفريقيا، رافضاً محاولات موسكو تصوير أي انتقاد مشروع من قبل الأفارقة على أنه “تلاعب من جهات أجنبية”.
ويرى المحلل السياسي لوسيان هويدانو، المقيم في أبيدجان، أن الدول التي تربطها علاقات وثيقة بموسكو لا تسمح بالنقد، وأن أي صوت معارض يتم قمعه بوحشية. ويضيف أن هذا القمع يزداد صعوبة في ظل استمرار جزء من الرأي العام في أفريقيا في النظر إلى روسيا كقوة مضادة للهيمنة الغربية.
توثيق الانتهاكات وخداع التجنيد
تتوالى التحقيقات الاستقصائية التي تكشف عن فظائع ارتكبها مقاتلو فاغنر في أفريقيا. ففي يونيو 2025، نشر ماتيو مايلار في مجلة “جون أفريك” تقريراً مدوياً كشف عن صور ومقاطع فيديو مروعة لأعمال تعذيب وإعدام، بالإضافة إلى تدنيس الجثث، تم التقاطها داخل قنوات تليغرام خاصة تابعة لمجموعة فاغنر.
وأشار مايلار إلى أن هذه الانتهاكات تركزت بشكل خاص في مالي، وكانت مصحوبة بتعليقات عنصرية من قبل الجناة. وفي أغسطس 2025، كشفت منظمة “ذا سنتري” الأميركية عن كيفية زرع فاغنر الفوضى والخوف داخل الجيش المالي، مما أدى إلى شل حركته وتقويض قدرته على مواجهة التحديات الأمنية. هذه الانتهاكات تؤكد أن مرتزقة فاغنر في أفريقيا لا يمثلون حلاً للأزمات، بل هم جزء منها.
تجنيد الأفارقة للقتال في أوكرانيا: قنبلة موقوتة
لم يقتصر دور فاغنر على العمليات العسكرية في أفريقيا، بل امتد ليشمل تجنيد شباب أفارقة بشكل غير قانوني للقتال في أوكرانيا. ويحذر الخبير تييري فيركولون من أن عودة هؤلاء المجندين إلى أوطانهم وبدءهم في الإدلاء بشهاداتهم يمثل “كارثة إعلامية وشيكة” لموسكو.
ويوضح أن هذه الشهادات “تتناقض بشكل مباشر مع سردية الدبلوماسية الروسية في أفريقيا”، وتكشف عن الوجه القبيح لاستغلال الشباب الأفارقة في صراعات لا ناقة لهم فيها ولا جمل. هذا الأمر يثير غضبًا متزايدًا في أوساط الرأي العام الأفريقي، ويزيد من الشكوك حول النوايا الحقيقية لروسيا.
مستقبل العلاقات الروسية الأفريقية
إن تزايد الشهادات حول انتهاكات فاغنر، وردود الفعل الروسية القمعية، وتجنيد الشباب الأفارقة للقتال في أوكرانيا، يشكل تحدياً كبيراً للدبلوماسية الروسية في أفريقيا. فقد بدأت العديد من الدول الأفريقية في إعادة تقييم علاقاتها مع موسكو، والنظر في البدائل المتاحة.
من الواضح أن روسيا بحاجة إلى تغيير نهجها في أفريقيا، والتركيز على الشراكة الحقيقية والاحترام المتبادل، بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية والبروباغاندا. وإلا فإنها تخاطر بفقدان النفوذ الذي اكتسبته بشق الأنفس في القارة، وتدهور صورتها في أوساط الرأي العام الأفريقي. إن مستقبل العلاقات الروسية الأفريقية يعتمد على قدرة موسكو على الاستماع إلى مخاوف الأفارقة، والتعامل معها بشفافية ومسؤولية.
في الختام، يجب على المجتمع الدولي أن يولي اهتماماً خاصاً بالوضع في أفريقيا، وأن يدعم جهود الدول الأفريقية في تحقيق الاستقرار والتنمية. كما يجب أن يضغط على روسيا لوقف انتهاكاتها، واحترام سيادة الدول الأفريقية، والتعامل معها كشركاء متساوين. إن مستقبل أفريقيا يهمنا جميعاً، ويجب أن نعمل معاً من أجل بناء مستقبل أفضل للقارة وشعبها.















