في خضم التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وتحديداً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن شراء أو ضم جزيرة غرينلاند، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام مفترق طرق. تتزايد الدعوات داخل أوروبا، وعلى رأسها إسبانيا، نحو تعزيز الاستقلالية الدفاعية وبناء جيش أوروبي موحد قادر على حماية مصالح القارة، وردع أي تهديدات مستقبلية. هذا المقال يتناول تفاصيل هذه الدعوات، والخلفيات التي أثارتها، وردود الأفعال المختلفة عليها، مع التركيز على أهمية هذا التوجه في ظل التغيرات العالمية.

دعوة إسبانيا لتشكيل جيش أوروبي موحد: ردع في مواجهة التحديات

أكد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بشكل قاطع أن إسبانيا تدعو الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ خطوات جادة نحو تشكيل جيش أوروبي موحد. واعتبر ألباريس أن هذا الجيش سيكون بمثابة رادع فعال، يمنع أي طرف من محاولة فرض إرادته على أوروبا بالقوة، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية.

وأضاف الوزير في تصريحات لوكالة رويترز، أن الخطوة الأولى يجب أن تكون تجميع الموارد ودمج الصناعات الدفاعية الأوروبية، ثم حشد تحالف من الدول الراغبة في المشاركة. هذا الدمج سيساهم في تحقيق كفاءة أكبر، وتقليل التكاليف، وتجنب الازدواجية التي تعاني منها الدول الأوروبية بوجود 27 جيشاً وطنياً منفصلاً.

النقاش حول الاستعداد العسكري الأوروبي

لا يخلو هذا الطرح من بعض التحديات والشكوك. أشار ألباريس إلى أن القلق بشأن استعداد المواطنين الأوروبيين للاتحاد عسكرياً هو “نقاش مشروع”، لكنه شدد على أن الفوائد المترتبة على وجود قوة عسكرية موحدة تفوق بكثير هذه المخاوف. فالهدف ليس استبدال حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بل إثبات أن أوروبا قادرة على الدفاع عن نفسها، وأنها لن تسمح بالابتزاز أو التهديد.

تصريحات ترامب حول غرينلاند: الشرارة التي أشعلت النقاش

جاءت هذه الدعوات في أعقاب تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثيرة للجدل بشأن جزيرة غرينلاند. فقد أثار ترامب تساؤلات حول إمكانية شراء أو ضم الجزيرة، مما أثار قلقاً واسعاً في أوروبا، وأعاد إلى الواجهة مسألة الاعتماد على الحلفاء، والحاجة إلى بناء قدرات دفاعية أوروبية مستقلة.

عقد قادة الاتحاد الأوروبي اجتماعاً طارئاً في بروكسل لمناقشة رد مشترك على هذه التهديدات. وعلى الرغم من إعلان ترامب عبر وسائل التواصل الاجتماعي عن “إطار اتفاق” مع الأمين العام لحلف الناتو مارك روته بشأن الجزيرة، إلا أن الاجتماع تم عقده كما هو مقرر، مما يعكس جدية القلق الأوروبي.

مواقف فرنسية وأوروبية داعمة للاستقلالية الدفاعية

لم تكن إسبانيا الدولة الوحيدة التي دعت إلى تعزيز الاستقلالية الدفاعية الأوروبية. فقد أكد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس أن الاتحاد الأوروبي “يجب ألا ينحني أمام قانون الأقوى”. وشدد على أهمية الاحترام المتبادل، والعلم على المؤامرات، وسيادة القانون على الوحشية.

من جهتها، قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن “سلسلة الصدمات الجيوسياسية التي شهدتها الآونة الأخيرة تفرض على الاتحاد الأوروبي بناء أوروبا مستقلة جديدة”. وأضافت أن هذا التغيير سيكون دائماً، وأن أوروبا يجب أن تستعد له. هذه التصريحات تعكس إدراكاً متزايداً في أوروبا للحاجة إلى بناء قدرات دفاعية خاصة بها، وعدم الاعتماد بشكل كامل على الحلفاء. الاستقلالية الاستراتيجية أصبحت شعاراً رئيسياً في السياسة الأوروبية.

ردود الفعل الأمريكية وتخفيف التوترات

في المقابل، عبر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت عن ثقته في أن الحكومات الأوروبية لن “تصعّد” التوتر مع الولايات المتحدة على خلفية رغبتها في شراء غرينلاند. وأكد أن الأمر سينتهي بصورة جيدة للجميع.

وقد دعا في وقت سابق إلى عدم الرد على أي إجراءات تتخذها الولايات المتحدة بشأن الجزيرة، واصفاً الإجراءات التجارية المتوقعة بأنها “غير حكيمة للغاية”. هذه التصريحات تهدف إلى تخفيف التوترات، وتهدئة المخاوف الأوروبية، وإعادة التأكيد على أهمية التحالف بين أوروبا والولايات المتحدة. العلاقات عبر الأطلسي لا تزال حجر الزاوية في الأمن الأوروبي.

مستقبل الجيش الأوروبي الموحد: تحديات وفرص

إن تشكيل جيش أوروبي موحد ليس بالأمر السهل، ويتطلب التغلب على العديد من التحديات، بما في ذلك الاختلافات في المصالح الوطنية، والقيود المالية، والبيروقراطية المعقدة. ومع ذلك، فإن الفوائد المترتبة على هذا الجيش تفوق بكثير هذه التحديات.

فالجيش الأوروبي الموحد سيعزز الأمن والاستقرار في القارة، وسيمكن أوروبا من لعب دور أكثر فاعلية في الشؤون العالمية، وسيحمي مصالحها الاقتصادية والسياسية. بالإضافة إلى ذلك، سيعزز هذا الجيش التكامل الأوروبي، ويساهم في بناء هوية أوروبية مشتركة.

في الختام، يمكن القول إن الدعوات إلى تشكيل جيش أوروبي موحد تكتسب زخماً متزايداً في ظل التغيرات الجيوسياسية المتسارعة. وعلى الرغم من التحديات التي تواجه هذا الطموح، إلا أن الفرص المتاحة لتحقيق الاستقلالية الدفاعية الأوروبية لا يمكن تجاهلها. يجب على الدول الأوروبية العمل معاً بروح التعاون والتضامن، لتحويل هذا الطموح إلى واقع ملموس، وضمان مستقبل آمن ومزدهر للقارة. هل ستنجح أوروبا في تحقيق هذا الهدف؟ هذا ما ستكشفه لنا الأيام القادمة.

شاركها.
اترك تعليقاً