اتفاقية ميركوسور: اختبار لقوة فرنسا في أوروبا وتداعياته الجيوسياسية
منذ أكثر من عقدين، شكّلت اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وتكتل دول أميركا الجنوبية ميركوسور واحدة من أطول وأعقد المفاوضات التجارية في التاريخ الحديث. ومع اقترابها المتكرر من حافة التوقيع ثم التراجع، تحوّلت هذه الاتفاقية من مجرد ملف اقتصادي إلى مرآة تعكس اختلال موازين القوى داخل أوروبا، وتحديداً التحديات التي تواجهها فرنسا في الحفاظ على دورها القيادي. هذه القضية أصبحت اختباراً حقيقياً للقدرة الدبلوماسية الفرنسية في ظل تحولات عالمية متسارعة.
تاريخ من التعقيدات: مسار مفاوضات ميركوسور
بدأت مفاوضات الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وميركوسور في عام 1999، بهدف إنشاء منطقة تجارية حرة واسعة النطاق. تغطي هذه المنطقة سوقاً ضخمة تضم حوالي 700 مليون نسمة، وتسعى إلى خفض الرسوم الجمركية، وتعزيز الاستثمارات المتبادلة، وتسهيل حركة السلع والخدمات. ومع ذلك، واجهت المفاوضات عقبات متعددة، أبرزها الخلافات حول الحماية الزراعية، والمعايير البيئية والصحية، وحقوق العمال.
لطالما كانت الزراعة الفرنسية نقطة خلاف رئيسية، حيث تخشى باريس من تدفق المنتجات الزراعية من دول ميركوسور بأسعار تنافسية، مما قد يضر بالمزارعين الأوروبيين. بالإضافة إلى ذلك، أبدت فرنسا قلقها بشأن المعايير البيئية الأقل صرامة في دول ميركوسور، والتي قد تؤدي إلى إغراق السوق الأوروبية بمنتجات لا تلتزم بالمعايير الأوروبية.
فرنسا في مواجهة الشركاء: تهميش الدور القيادي؟
وجدت فرنسا نفسها تدريجياً خارج دائرة التأثير الحاسم في هذه المفاوضات، بعد أن كانت تاريخياً أحد أعمدة القرار الأوروبي. في حين تمسّكت باريس بخطاب المعايير والقيم، مضى شركاؤها الأوروبيون، وعلى رأسهم ألمانيا وهولندا وإسبانيا، في طريق إتمام الصفقة، معتبرين أن أوروبا لا تستطيع التفريط في شراكة إستراتيجية مع أميركا الجنوبية في ظل تصاعد المنافسة مع الولايات المتحدة والصين.
هذا التطور وضع فرنسا أمام سؤال محير: كيف يمكن لدبلوماسيتها أن تستعيد دورها القيادي في أوروبا؟ لم تُهمش فرنسا على طاولة التفاوض فقط، بل باتت تواجه تحدياً أكبر يتمثل في الحفاظ على نفوذها داخل الاتحاد الأوروبي.
السيادة الغذائية والمعايير الأوروبية: جوهر الخلاف
الخلاف حول اتفاقية ميركوسور لم يكن مجرد خلاف اقتصادي، بل كان أيضاً تعبيراً عن رؤى مختلفة حول مستقبل السياسة الأوروبية. فرنسا، التي تعد أكبر دولة زراعية في أوروبا، لطالما دافعت عن فلسفة أوروبية تقوم على السيادة الغذائية والمعايير الصارمة للإنتاج. وتاريخياً، لعبت الزراعة الفرنسية دوراً محورياً في تشكيل السياسة الزراعية المشتركة للاتحاد الأوروبي.
ويرى الخبير في الاقتصاد الزراعي، جان ماري سيروني، أن الدبلوماسية الفرنسية تجد نفسها في موقف غير مفهوم لباقي السلك الدبلوماسي، ما يؤدي لإضعاف مصداقيتها بشكل كبير. ويضيف أن فرنسا وضعت شروطاً لتوقيع الاتفاقية وتم استيفاؤها، لكن المفوضية الأوروبية لم تجد أي داع للرفض الفرنسي.
تداعيات أوسع: تحولات جيوسياسية وتأثير الناتو
تُظهر تجربة اتفاقية ميركوسور أن وجود اتحاد أوروبي حقيقي، قادر على منع تهميش دول بعينها وتحويل الخلافات الداخلية إلى أوراق قوة جماعية، أمر ضروري لتعزيز مكانة أوروبا على الساحة الدولية.
الأستاذ المشارك في العلاقات الدولية، توماس غينولي، يرى أن إتمام الاتفاقية، وتجاهل رغبات فرنسا في هذه العملية، يشير إلى أن الدبلوماسية الفرنسية سمحت لنفسها بالعزلة. ويشير إلى أن عدم الاستقرار الحكومي في فرنسا وتعاقب وزراء الاقتصاد ساهم في إضعاف صورتها أمام حلفائها.
الأمر لا يتوقف عند حدود المفاوضات التجارية، بل يمتد ليشمل التحولات الجيوسياسية الأوسع. غينولي يعتقد أن حلف شمال الأطلسي (الناتو) قد انتهى فعلياً بسبب تراجع الثقة بين الولايات المتحدة وأوروبا، مشيراً إلى محاولة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الاستيلاء على غرينلاند كمثال على ذلك.
مستقبل الدبلوماسية الأوروبية: نحو أوروبا موحدة؟
في ظل هذه التحولات، يرى المحلل السياسي أن أوروبا يجب أن تختار بين الخضوع للقوة الأميركية أو تسريع وتيرة بناء أوروبا قوية وموحدة. ويؤكد على أهمية وجود كيان أوروبي ذي سيادة ودبلوماسية أوروبية اتحادية لحماية دول الاتحاد من الوقوع في قبضة “الحامي الأميركي”.
ويقترح أن تبدأ فرنسا وألمانيا في بناء هذا الكيان، ثم يمكن للآخرين أن يحذوا حذوهما. لكنه يشدد على ضرورة التحرك بسرعة وإنجاز هذا الأمر في أقرب وقت ممكن.
في الختام، تُعد اتفاقية ميركوسور مجرد مثال واحد على التحديات التي تواجه فرنسا في الحفاظ على دورها القيادي في أوروبا. هذه القضية تتطلب إعادة تقييم شاملة للدبلوماسية الفرنسية، وتعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين، والعمل على بناء أوروبا قوية وموحدة قادرة على مواجهة التحديات العالمية. هل ستتمكن فرنسا من استعادة مكانتها، أم ستستمر في التهميش؟ هذا هو السؤال الذي يطرح نفسه بقوة في الأوساط السياسية والاقتصادية الأوروبية.















