رواية “أغالب مجرى النهر” لسعيد خطيبي: تشريح للذاكرة والهوية الجزائرية

تعتبر رواية “أغالب مجرى النهر” للروائي الجزائري سعيد خطيبي عملاً أدبياً بارزاً يسعى إلى تفكيك الذاكرة الوطنية الجزائرية وإعادة قراءتها بمنظور ثقافي واجتماعي عميق. لا تكتفي الرواية باستعادة الماضي المؤلم، بل تتجاوز ذلك إلى مساءلة الهوية الجزائرية في خضم التحولات الكبرى التي شهدتها البلاد في مطلع التسعينيات، تلك الفترة التي عرفت بـ “العشرية السوداء”. هذا الاشتغال الدائم على العلاقة المعقدة بين التاريخ والذاكرة هو ما يميز أعمال خطيبي، ويضع هذه الرواية تحديداً في صميم اهتماماته الفكرية والفنية.

“أغالب مجرى النهر”: أكثر من مجرد استعادة للماضي

لا يقتصر مشروع خطيبي في هذه الرواية على سرد الأحداث التاريخية المرتبطة بـ العشرية السوداء، بل يتجاوز ذلك إلى تحليل الأثر النفسي والاجتماعي لهذه الفترة على الفرد والمجتمع. يستخدم خطيبي الرواية كمختبر ثقافي لفهم كيف تتشكل الهوية في لحظات الانكسار والصدمة. فالعنوان نفسه يحمل دلالات وجودية عميقة؛ “المجرى” يمثل حتمية التاريخ وسيرورته التي لا يمكن إيقافها، بينما “المغالبة” تعبر عن فعل المثقف والروائي والشخصية الهامشية في محاولة يائسة لاستعادة المعنى من بين أنقاض الماضي.

ثقافة الحرب الضمنية وتسللها إلى الحياة اليومية

لا يكتب خطيبي عن الحرب بمعناها التقليدي، بل عن “ثقافة الحرب الضمنية” وكيف تتسلل هذه الثقافة إلى اللغة، والجسد، والعمارة، وحتى المحاضر الرسمية. يرسم الكاتب صورة قاتمة لروح البلاد عشية الانفجار، حيث يصبح الخوف هو المسيطر على المشاعر والأحاسيس. هذا الخوف ليس مجرد رد فعل على العنف المحتمل، بل هو نسق ثقافي يتغلغل في البنية الاجتماعية ويشكل سلوكيات الأفراد.

الرواية كتحقيق أنطولوجي في “جريمة وأد” الوطن

تتميز “أغالب مجرى النهر” ببنيتها السردية المبتكرة. تبدأ الرواية بملامح “بوليسية” مراوغة، لكنها سرعان ما تتخلى عن هذه القشرة الخارجية لتتحول إلى تحقيق أنطولوجي، أي تحقيق في الوجود والمعنى. يستخدم خطيبي القناع البوليسي لجذب القارئ إلى عالم الرواية، ثم يكشف له تدريجياً عن الأبعاد الفلسفية والثقافية الأعمق. إنما لا يحقق في جريمة قتل فرد، بل في “جريمة وأد” وطن وهوية، وهو ما يمثل جوهر العمل الأنطولوجي في الرواية الحديثة.

ملخص الحكاية: عقيلة تومي بين الاتهام والبحث عن الحقيقة

تدور أحداث الرواية حول عقيلة تومي، طبيبة عيون تعيش حياة تبدو مستقرة على السطح، لكنها سرعان ما تنقلب رأساً على عقب حين يتم استدعاؤها للتحقيق في قضية جنائية مرتبطة بزوجها، الطبيب الشرعي مخلوف تومي. تخضع عقيلة لإجراءات تفتيش واستجواب قاسية، من دون أن يتم توجيه تهمة واضحة إليها. خلال التحقيق، يتكشف تدريجياً تورط زوجها في شبكة غير قانونية لـ تجارة الأعضاء البشرية، مستغلاً موقعه في المشرحة وصمته الطويل.

الذاكرة والصمت والعلاقات المتشابكة

يتشابك السرد الحالي مع ذكريات عقيلة، التي تكشف عن زواج قائم على الخوف أكثر من المودة، وعن عنف منزلي صامت، وأمومة مثقلة بالقلق، وعلاقة معقدة مع الأب الذي يحمل بدوره تاريخاً شخصياً مع السلطة والاستعمار والحرب. لا تسعى الرواية إلى تقديم حلول بوليسية تقليدية، بل إلى تفكيك المسار الذي أوصل امرأة عادية إلى موقع الاتهام، وتعرية شبكة العلاقات الاجتماعية والمؤسسية التي تجعل البراءة نفسها موضع شك.

إرهاصات الصدام والانقطاع بين الأجيال

تستشرف الرواية بذكاء لحظة الانفجار في التسعينيات، من خلال الحوارات والمواقف الضمنية التي تكشف عن الخراب الجواني الذي سبق “العشرية السوداء”. شخصية عزوز، على سبيل المثال، تمثل محاولة يائسة للحفاظ على “توازن” في وسط مضطرب، لكنه يدرك أن “الأبناء أورثوا حزناً”. هذه الجملة تعكس انقطاع التواصل بين الأجيال، بين جيل الثورة الذي بنى الدولة، وجيل الشباب الذي شعر باليتم والاغتراب، مما دفعه إلى الارتماء في أحضان التطرف أو الهجرة.

لغة خطيبي: دقة وصرامة في تشريح الواقع

تتميز لغة خطيبي في هذه الرواية بالصرامة والدقة. الجمل قصيرة أو متوسطة الطول، محكمة البناء، وتخلو من الزخرفة الزائدة. يستخدم الكاتب الوثيقة داخل النص الروائي، مثل المحاضر والتواريخ والرسائل، ليس كزينة سردية، بل كأدوات حفر تهدف إلى مساءلة الأرشيف الرسمي. يقترح خطيبي تاريخاً موازياً يكتبه المهمشون والنساء والضحايا، في مواجهة “مجرى” التاريخ الذي يكتبه المنتصرون أو القتلة.

في الختام، تقدم “أغالب مجرى النهر” رواية ناضجة تتجنب الخطابة وتبتعد عن الإدانة المباشرة، وتنجح في تحويل تجربة فردية إلى سؤال ثقافي واسع حول الجسد والسلطة والمعنى. إنها إضافة لافتة إلى السرد العربي المعاصر، وتؤكد أن الرواية قادرة، حين تكتب بوعي فني صارم، على مساءلة الواقع من داخله، وبأدوات الأدب وحده. هذه الرواية ليست مجرد قصة، بل هي دعوة للتأمل في الذاكرة الجماعية والبحث عن طرق جديدة لفهم الهوية الجزائرية في ظل التحديات المعاصرة.

شاركها.
اترك تعليقاً