لا شيء يلمع في السماء بعد الشمس والقمر مثل كوكب الزهرة، وهذه حقيقة يكاد يتفق عليها جميع الفلكيين. فالزهرة هو ألمع كواكب السماء، وحين يظهر يطغى نوره على كل ما حوله، فيلفت انتباه حتى من لا يهتمون بالفلك. بعد فترة غياب، عاد كوكب الزهرة للظهور بوضوح في سماء المساء، مما يثير اهتمام هواة الفلك وعشاق مراقبة النجوم.
بدأ ظهور كوكب الزهرة في سماء الليل بعد غروب الشمس في منتصف يناير/كانون الثاني 2026، وسيظل مرئياً لمدة تقارب العشرة أشهر. هذا الحدث الفلكي يوفر فرصة رائعة لمراقبة الكوكب بأطواره المختلفة، وفهم خصائصه الفريدة. ويعتبر هذا الظهور مهماً بشكل خاص لأنه يمثل انتقالاً من كونه نجماً صباحياً إلى نجماً مسائياً.
كيف نميز كوكب الزهرة؟
الزهرة هو ذلك الجرم الساطع الذي كثيراً ما نراه قريباً من الهلال في بداية الأشهر القمرية. وبسبب وقوعه، شأنه شأن بقية الكواكب، على مدار البروج نفسه الذي يسلكه القمر، فإن الزهرة والقمر يبدوان متجاورين مساءً في معظم الشهور، خصوصاً عندما يكون القمر هلالاً قريباً من الأفق الغربي.
قد يجتمع الزهرة أحياناً مع كوكب المشتري، ثاني ألمع كواكب السماء بعده، لكن الزهرة يبقى الألمع بلا منازع عند اجتماعهما في السماء. يتميز الزهرة بلمعانه الشديد الذي يجعله سهل التمييز عن النجوم الأخرى، حتى بالنسبة للمراقبين المبتدئين.
الزهرة وأطواره
لأن الزهرة، وكذا عطارد، من الكواكب الداخلية التي تدور بين الأرض والشمس، فإنه يظهر بأطوار تشبه أطوار القمر. فيرى أحياناً هلالاً، وأحياناً قرصاً مضيئاً جزئياً، ويكون في أقصى لمعانه عندما يكون قريباً نسبياً من الأرض رغم أن قرصه يكون هلالياً.
هذا التغير في الأطوار يعود إلى تغير الزاوية التي نرى بها الجزء المضاء من الكوكب، وهو ما يحدث أيضاً مع القمر. دراسة أطوار الزهرة تساعد العلماء على فهم تركيب غلافه الجوي وحركته.
خصائص فريدة لكوكب الزهرة
يعود سطوع الزهرة الاستثنائي إلى عاملين رئيسيين: قربه من الأرض، وامتلاكه غلافاً جوياً كثيفاً جداً، تزيد كثافته على الغلاف الجوي للأرض بنحو 92 مرة. هذا الغلاف يعكس أشعة الشمس بكفاءة عالية، فيجعل الزهرة ألمع كواكب السماء.
إلا أن هذا الغلاف الجوي الكثيف يؤدي أيضاً إلى حبس الحرارة على سطحه، فترتفع إلى أكثر من 450 درجة مئوية، مما يجعله أشد كواكب المجموعة الشمسية حرارة، متجاوزاً حتى عطارد الأقرب إلى الشمس. هذه الحرارة الشديدة تجعل الحياة على سطح الزهرة مستحيلة.
اقترانات الزهرة
بسبب ارتباطه بالشمس، يظهر الزهرة فوق الأفق الغربي أو الشرقي، وغالباً ما يكون مرئياً بعد شروق الشمس أو قبل غروبها. تسمى أبعد نقطة يصل إليها عن الشمس بالاستطالة العظمى، وفيها يظهر حينها هلالاً ومضيئاً بدرجة عالية.
تعتبر هذه الاقترانات فرصة رائعة للمراقبة والتصوير الفلكي، حيث يمكن رؤية الزهرة والقمر أو الكواكب الأخرى قريبة من بعضها البعض في السماء. تتطلب مراقبة هذه الظواهر معرفة دقيقة بمواقع الكواكب والنجوم.
الزهرة في التاريخ والثقافة
يعد الزهرة ألمع جرم سماوي في سماء الليل بعد القمر، ولذلك حظي بمكانة خاصة لدى معظم الحضارات القديمة، بل قدسته بعض الأمم وجعلته رمزاً إلهياً. فالقدماء لم يميزوا في البداية بين النجم والكوكب، فجميعها كانت نجومًا متحركة في السماء.
حمل الزهرة أسماء متعددة عبر التاريخ، فعند الرومان عرف باسم فينوس، وعند اليونان أفروديت، وعند البابليين عشتار، وعند العرب العزّى. ولهذا ارتبط الزهرة عبر العصور بمعاني الجمال والحب، وكان أكثر الكواكب رمزية وتأثيراً في المعتقدات والأساطير القديمة. دراسة هذه الأسماء والمعتقدات تساعدنا على فهم تاريخ الفلك والثقافة الإنسانية.
من المتوقع أن يستمر ظهور كوكب الزهرة في سماء المساء لعدة أشهر قادمة، مما يوفر فرصة لمراقبة الكوكب ودراسته. سيستمر العلماء وهواة الفلك في تتبع حركة الزهرة ومراقبة أطواره، بهدف جمع المزيد من المعلومات حول هذا الكوكب الغامض. من المهم متابعة التحديثات الفلكية لمعرفة أفضل أوقات الرؤية والظواهر المرتبطة بـالزهرة.















