أثار إعلان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن إطلاق “مجلس السلام العالمي” من منتدى دافوس موجة من التساؤلات والتحفظات. وبينما غلّف التفاؤل كلمات المتحدثين في حفل التوقيع، يرى خبراء ومحللون أن هذا المجلس يواجه تحديات جوهرية تهدد جدواه ومستقبله، خاصةً مع غياب أطراف رئيسية وتفاصيل مبهمة حول آليات عمله. هذا المقال يتناول بالتفصيل هذه التحفظات، ويحلل دوافع إطلاق المجلس، والتحديات التي قد تعيق مسيرته، مع التركيز على تأثيره المحتمل على القضية الفلسطينية والمنطقة بشكل عام.
دوافع إطلاق مجلس السلام العالمي: رؤية ترامب ومحاولات إعادة تشكيل النظام الدولي
يسعى ترامب، من خلال هذا المجلس، إلى تقديم بديل – كما يراه – للمؤسسات الدولية القائمة، وعلى رأسها الأمم المتحدة، التي يصفها بالبيروقراطية وعدم الفعالية. ويرى مراقبون أن هذا الإعلان يمثل جزءًا من محاولة أوسع لإعادة تشكيل النظام الدولي بما يتماشى مع رؤيته الخاصة، والتي تركز على المصالح الأمريكية أولاً. الهدف المعلن هو تسريع عملية تحقيق السلام في مناطق النزاع حول العالم، ولكن الطريقة التي تم بها الإعلان عن المجلس، وتفاصيل هيكله، تثير الشكوك حول مدى التزامه بهذه الغاية. مجلس السلام العالمي يمثل، في هذا السياق، محاولة لفرض رؤية أمريكية أحادية الجانب على قضايا عالمية معقدة.
الجدل حول تفويض المجلس: غزة والحدود الزمنية
أحد أبرز الانتقادات الموجهة إلى مجلس السلام العالمي هو غموض تفويضه وصلاحياته. المستشار السابق للأمن القومي الأمريكي مايكل مونروي أوضح أن القرار 2803 الصادر عن مجلس الأمن الدولي يمنح المجلس تفويضه فيما يتعلق بقطاع غزة فقط، وينتهي هذا التفويض في نهاية عام 2027. وهذا يعني أن المجلس ليس بديلاً دائمًا للأمم المتحدة، كما حاول ترامب الترويج له، بل هو كيان مؤقت ذو صلاحيات محدودة.
صلاحيات ترامب المطلقة وحق النقض (الفيتو)
يثير قلقًا خاصًا إعلان أن ترامب سيظل رئيسًا للمجلس مدى الحياة، حتى بعد انتهاء فترة رئاسته، وأن له وحده حق النقض (الفيتو). هذا يكرر إلى حد كبير هيكل مجلس الأمن الدولي، ولكن مع منح الولايات المتحدة، من خلال شخص ترامب، سلطة مطلقة في اتخاذ القرارات. هذا الأمر يطرح تساؤلات جدية حول الطبيعة الديمقراطية للمجلس ومدى استقلاليته عن الإرادة الأمريكية.
شروط العضوية المالية: هل يتحول المجلس إلى نادٍ حصري؟
كشف مونروي عن شرط مالي باهظ للانضمام إلى عضوية دائمة في المجلس، وهو دفع مبلغ مليار دولار من قبل الدول الراغبة. حتى الآن، لم تعلن أي دولة عن موافقتها على هذا الشرط. هذا يثير مخاوف من أن مجلس السلام العالمي قد يتحول إلى نادٍ حصري للدول الغنية، مما يقوض دوره كمنصة عالمية شاملة لحفظ السلام. التركيز على الجانب المالي قد يحرم العديد من الدول النامية والمهمشة من المشاركة الفعالة في جهود السلام.
الضغوط الإسرائيلية وتأثيرها على مسار المجلس
لا يخفي الباحث المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد توقعاته بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفاءه سيمارسون أقصى درجات الضغط على ترامب لتشكيل المجلس بما يخدم مصالحهم. ويعتقد شديد أن إسرائيل تسعى إلى استخدام هذا الإطار الجديد للحصول على شرعية لمواقفها، وتجنب الانتقادات التي قد تتلقاها من المؤسسات الدولية الأخرى. إسرائيل، وفقًا للتحليل، معنية بالتأثير من الداخل وتجويف أي مساعٍ حقيقية للسلام لا تتماشى مع رؤيتها المتطرفة، خاصةً فيما يتعلق بالملف الفلسطيني.
التحفظات الأوروبية والتهميش الفلسطيني
رفضت فرنسا والمملكة المتحدة حضور حفل توقيع ميثاق المجلس، مما يعكس قلق الحلفاء الأوروبيين التقليديين لواشنطن من توجهات المجلس وأهدافه الحقيقية. هذا الغياب يضعف من مصداقية المجلس على الصعيد الدولي ويقلل من قدرته على حشد التأييد العالمي اللازم لتحقيق أهدافه.
بالتوازي مع ذلك، يرى مدير المؤسسة الفلسطينية للإعلام إبراهيم المدهون أن هناك تهميشًا متعمدًا للسلطة الفلسطينية، وأن الهدف الأمريكي والإسرائيلي هو التركيز على إنشاء إدارة جديدة في قطاع غزة منفصلة عن الضفة الغربية. هذا التوجه يقوض مشروع التسوية القائم على إقامة دولة فلسطينية موحدة، ويساهم في تعميق الانقسام الفلسطيني. وجود وفدين فلسطينيين منفصلين في دافوس يعكس حالة التجزئة التي لا تخدم الفلسطينيين ولا العرب.
مستقبل مجلس السلام العالمي: تحديات جمة وتوقعات متشائمة
في الختام، يواجه مجلس السلام العالمي الذي أطلقه ترامب تحديات جمة تهدد بتبديد أي أمل في تحقيق أهدافه المعلنة. الغموض حول تفويضه، والسلطة المطلقة الممنوحة لترامب، والشروط المالية الباهظة، والضغوط الإسرائيلية، والتحفظات الأوروبية، والتهميش الفلسطيني، كلها عوامل تشير إلى أن هذا المجلس قد يكون مجرد أداة لتكريس رؤية أمريكية أحادية الجانب، بدلاً من أن يكون منصة حقيقية لتعزيز السلام والأمن الدوليين. الخطر الأكبر يكمن في أن هذا المجلس قد يعيق الجهود الدبلوماسية القائمة، ويساهم في تفاقم الصراعات في المنطقة والعالم. يبقى أن نرى ما إذا كان ترامب سيتمكن من التغلب على هذه التحديات، أو ما إذا كان هذا المجلس سيؤول إلى مجرد فقاعة سرعان ما تنفجر.















