في عالم يشهد تحولات جيوسياسية واقتصادية متسارعة، لم تعد الصراعات بين الدول تقتصر على المواجهات العسكرية أو المفاوضات الدبلوماسية التقليدية. بل برز الإكراه الاقتصادي كأداة ضغط سياسية فعالة، تستغل الترابط المتزايد بين الاقتصادات الوطنية. هذا التحول كان واضحًا في التهديدات الأخيرة التي أطلقها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بفرض رسوم جمركية على دول أوروبية، في سياق نزاع يتجاوز الخلافات التجارية ليطال قضايا سيادية واستراتيجية حساسة، مثل ملف جزيرة غرينلاند.
ما هو الإكراه الاقتصادي؟ تعريف وتطورات تاريخية
يشير مفهوم الإكراه الاقتصادي إلى استخدام القوة الاقتصادية أو التهديد بها لإجبار دولة أو كيان ما على تغيير سلوكه أو اتخاذ قرارات معينة لا يرغب بها في الظروف الطبيعية. بعبارة أخرى، هو استغلال نقاط الضعف الاقتصادية لدى الطرف الآخر لتحقيق أهداف سياسية. تُعرّفه منصة “إل أس دي” القانونية بأنه إجبار طرف ما على فعل شيء من خلال الضغط الاقتصادي الكبير.
مركز أكسفورد للقانون الدولي العام يقدم تعريفًا أوسع، حيث يرى أن الإكراه الاقتصادي يشمل استخدام أو التهديد باستخدام تدابير ذات طابع اقتصادي لحث دولة مستهدفة على تغيير سياساتها أو ممارساتها، أو حتى إعادة تشكيل جوانب من هيكلها السياسي. في هذه الحالة، يُطلق على الطرف الذي يتعرض للضغط اسم “الطرف المستهدف”، بينما يُعرف الطرف الذي يمارس الضغط بـ “الطرف المُرسل”.
ولم يكن هذا الأسلوب جديدًا على الساحة الدولية. فالتاريخ يشهد على استخدام الإكراه الاقتصادي بأشكال مختلفة منذ القدم، لكنه ازداد أهمية بعد الحربين العالميتين، كوسيلة أقل تكلفة وأكثر تعقيدًا من المواجهة العسكرية المباشرة.
أمثلة تاريخية على الإكراه الاقتصادي
شهدت العقود الماضية العديد من الحالات التي تجسد استخدام الإكراه الاقتصادي كأداة سياسية. من أبرز هذه الأمثلة:
- عقوبات جنوب أفريقيا: فرض المجتمع الدولي عقوبات اقتصادية على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا، بهدف الضغط عليه لإنهاء التمييز العنصري.
- الحظر الأمريكي على كوبا: استمر الحظر الأمريكي على كوبا لعقود، بهدف عزل النظام الكوبي وإجباره على إجراء تغييرات سياسية واقتصادية.
- العقوبات على العراق: فرضت عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على العراق بعد غزوه للكويت عام 1990، بهدف إجباره على الانسحاب والامتثال لقرارات الأمم المتحدة.
- العقوبات على إيران: فرضت عقوبات اقتصادية على إيران منذ منتصف التسعينيات، بسبب برنامجها النووي المثير للجدل.
كما لجأت دول أخرى، مثل المملكة المتحدة والهند وروسيا، إلى استخدام أدوات اقتصادية للضغط في نزاعات إقليمية وسياسية محددة. القاسم المشترك في كل هذه الحالات هو استخدام الاقتصاد كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية، خاصة عندما تكون التكلفة المتوقعة أقل من تكلفة التدخل العسكري.
حرب ترامب التجارية والإكراه الاقتصادي المعاصر
تعتبر السياسات التجارية التي تبناها الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب نموذجًا معاصرًا واضحًا على الإكراه الاقتصادي. فقد استخدم ترامب الرسوم الجمركية المرتفعة كأداة لإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية مع العديد من الدول، بهدف فتح أسواقها أمام المنتجات الأمريكية أو تعديل سياساتها الاقتصادية.
لكن اللافت في التهديدات الأخيرة تجاه أوروبا هو تجاوز الإطار التجاري التقليدي، وربط فرض الرسوم الجمركية صراحة بملف جيوسياسي، وهو قضية جزيرة غرينلاند. هذا الربط يعكس تحول الأدوات الاقتصادية إلى وسيلة للضغط السياسي المباشر، حيث تتداخل الحسابات التجارية مع اعتبارات النفوذ والسيادة.
أداة مكافحة الإكراه الأوروبية: رد فعل على الضغوط
في مواجهة هذه التهديدات، تسعى فرنسا إلى دفع الاتحاد الأوروبي نحو تفعيل “أداة مكافحة الإكراه”، وهي آلية تهدف إلى الرد المنظم على الضغوط الاقتصادية الخارجية. أكد وزير التجارة الخارجية الفرنسي رولان ليسكور أن الاتحاد الأوروبي “يجب أن يكون مستعدًا” لتفعيل هذه الآلية.
هذه الأداة، المعروفة أيضًا باسم “بازوكا التجارة”، هي لائحة أوروبية دخلت حيز التنفيذ في نهاية عام 2023. بموجبها، يُعرّف الإكراه الاقتصادي بأنه محاولة من دولة ثالثة للضغط على الاتحاد الأوروبي أو إحدى دوله الأعضاء لاتخاذ قرار معين من خلال تدابير تؤثر على التجارة أو الاستثمار.
وتتيح هذه الأداة اتخاذ إجراءات مضادة، مثل قيود على الاستيراد والتصدير، وحماية الملكية الفكرية، وتقييد الاستثمار الأجنبي المباشر. وقد قرر البرلمان الأوروبي بالفعل تعليق المصادقة على الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة ردًا على تصعيد التهديدات الأمريكية.
هل يوجد إطار قانوني دولي للإكراه الاقتصادي؟
على الرغم من الانتشار الواسع لاستخدام الأدوات الاقتصادية في النزاعات الدولية، لا يوجد حتى الآن قانون دولي شامل يجرم الإكراه الاقتصادي بشكل صريح. يعتمد النظام القانوني الدولي على مبادئ عامة، مثل مبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
لكن هذا المبدأ لا يحدد بوضوح متى تتحول الإجراءات الاقتصادية إلى تدخل غير قانوني. وقد أكدت محكمة العدل الدولية أن التدابير الاقتصادية وحدها لا تشكل خرقًا تلقائيًا لمبدأ عدم التدخل، إلا إذا خالفت التزامات تعاقدية أو معاهدات دولية محددة.
وبالتالي، يظل الإكراه الاقتصادي منطقة رمادية في القانون الدولي، حيث تتحرك الدول وفقًا لميزان القوة والمصلحة. في حين أن البعض يرى في الأدوات الاقتصادية وسيلة أقل كلفة من الحرب، إلا أن استخدامها المتزايد قد يفتح الباب أمام صراعات تجارية وسياسية أعمق، يصعب الفصل فيها بين الاقتصاد والجيوسياسة.
الخلاصة:
الإكراه الاقتصادي هو واقع جديد في العلاقات الدولية، يمثل تحديًا للنظام القانوني القائم ويتطلب استراتيجيات جديدة للتعامل معه. فهم طبيعة هذا الإكراه، وتاريخه، وأدواته، وأطرّه القانونية، أمر ضروري لصناع القرار والباحثين على حد سواء، من أجل التوصل إلى حلول تضمن استقرارًا اقتصاديًا وسياسيًا عالميًا. هل ستنجح الأدوات الأوروبية في الردع؟ وهل سيؤدي هذا التصعيد إلى إعادة تشكيل موازين القوى الاقتصادية والسياسية في العالم؟ هذه أسئلة ستحدد مستقبل العلاقات الدولية في السنوات القادمة.















