احتضنت مقاطعة تيركيكا في جنوب السودان، أحدث وأكبر احتفال ثقافي شهدته البلاد منذ بداية العام، مهرجان المنداري السنوي. لم يكن هذا المهرجان مجرد تظاهرة فنية، بل تجسيدًا حيًا لتراث عريق ورسالة أمل في تعزيز السلام والوحدة في دولة جنوب السودان. يمثل هذا الحدث فرصة فريدة للاحتفاء بثقافة المنداري الغنية، بالإضافة إلى إبراز التنوع الثقافي الذي يزخر به جنوب السودان، وتقديم صورة إيجابية عن البلاد للعالم.

من هم المنداري؟ نظرة على قبيلة عريقة

المنداري هم جماعة نيلية تستوطن السهول الفيضية الخصبة لنهر النيل في جنوب السودان. تشتهر هذه القبيلة بعلاقتها المتينة والعميقة مع أبقارها طويلة القرون، التي ليست مجرد مصدر للرزق، بل هي رمز للمكانة الاجتماعية والثروة والروحانية. تنتشر قبيلة المنداري بشكل رئيسي في مقاطعتي تيركيكا وتالي بولاية الاستوائية الوسطى، وتمتد تجمعاتهم لتجاور مجتمعات الدينكا بور في ولاية جونغلي، و ييرول في ولاية البحيرات، حيث تتشارك القبائل في بعض الممارسات الثقافية المتعلقة برعي الأبقار والصراعات التقليدية.

تعتمد حياة المنداري بشكل كامل على الرعي والتنقل المستمر بحثًا عن المراعي الخصبة. تتميز ممارساتهم اليومية بالاعتماد على الطبيعة، مثل استخدام رماد البراز كطارد طبيعي للبعوض وواقي فعال من أشعة الشمس الحارقة. كما يشتهرون بتقاليد فريدة مثل الوشم الجسدي، والمصارعة التقليدية التي تعتبر اختبارًا للشجاعة والقوة، بالإضافة إلى رقصاتهم المميزة التي تعبر عن فرحتهم وحياتهم.

مهرجان المنداري: احتفال بالهوية والتراث

انطلقت فعاليات النسخة الثالثة من مهرجان المنداري يوم السبت الموافق 16 يناير، واستقطبت حشودًا كبيرة من مختلف أنحاء جنوب السودان، ليس فقط من أبناء قبيلة المنداري، بل من جميع المجموعات العرقية والثقافية. شهد المهرجان حضورًا رسميًا بارزًا، تقدمه حاكم الولاية الاستوائية الوسطى، إيمانويل عادل، ونائبة رئيس الجمهورية، ربيكا نياندينغ مبيور، ممثلة الرئيس سلفاكير كير، بالإضافة إلى مبعوثة الرئيس للبرامج الخاصة، أدوت سلفاكير، وعدد من الوزراء وأعضاء البرلمان والدبلوماسيين.

تحولت ساحة المهرجان إلى لوحة فنية نابضة بالحياة، حيث ارتدى الشباب بأزياء المنداري التقليدية الملونة والزاهية، وعرضوا مهاراتهم في الرقص والموسيقى. الأبقار، محور الهوية المندارية، كانت حاضرة بقوة في المهرجان، حيث تم عرضها في مواكب احتفالية تعكس أهميتها في حياة القبيلة. لم يقتصر المهرجان على عروض المنداري، بل شهد مشاركة واسعة من فرق ثقافية تمثل مختلف المجموعات العرقية في جنوب السودان، مثل فرقة مالي التراثية التي تعكس ثقافة النوير، وفرقة من مجتمع الشلك في أعالي النيل، بالإضافة إلى مشاركات من قبائل التابوسا وغيرها.

أهداف المهرجان: السلام، التماسك الاجتماعي، والسياحة الثقافية

يهدف مهرجان المنداري إلى تحقيق عدة أهداف رئيسية، أبرزها تعزيز التعايش السلمي بين المجتمعات المتنوعة في جنوب السودان. من خلال نشر قيم السلام والوئام الاجتماعي، يسعى المهرجان إلى بناء جسور من التفاهم والثقة بين مختلف المجموعات العرقية. كما يركز المهرجان على الحفاظ على التراث الثقافي لقبيلة المنداري، وحمايته من الاندثار، وتأكيد أهميته كمرجع للهوية الوطنية.

بالإضافة إلى ذلك، يسعى المهرجان إلى تحقيق التماسك الاجتماعي من خلال توفير منصة للتفاهم المتبادل والترابط بين مكونات المجتمع. ويؤكد المشاركون على دور الثقافة كأداة قوية لربط الأجيال المختلفة، وتعزيز الشعور بالانتماء والهوية المشتركة. ولا يغفل المهرجان عن الجانب السياحي، حيث يهدف إلى الترويج للسياحة التراثية في جنوب السودان، وجذب الزوار من مختلف أنحاء العالم للاطلاع على ثقافة البلاد الغنية والمتنوعة.

رسالة أمل في جنوب السودان الجديد

أكد الرئيس سلفاكير ميارديت، في كلمة ألقيت نيابة عنه، أن مهرجان المنداري يمثل “تجسيدًا للهوية الوطنية” في جنوب السودان، ودعوة واضحة لتعزيز الوحدة والتعايش السلمي بين جميع المكونات. وشدد على أن الثقافة ليست مجرد تراث، بل هي “وسيلة لبناء السلام” وإعادة التواصل بين المجتمعات التي عانت طويلًا من الصراعات والانقسامات.

وزيرة الثقافة، نادية أروب، أشارت بدورها إلى أن الثقافة تشكل “جسرًا للوحدة” في جنوب السودان، وأن الاحتفاء بالتراث يعزز الاحترام المتبادل ويعيد بناء الروح الوطنية. واعتبرت المهرجان منصة للتواصل وتبادل الخبرات والتأكيد على الهوية المشتركة.

يُعد مهرجان المنداري نافذة أمل جديدة لتجاوز الانقسامات والصراعات القبلية في جنوب السودان، وإثبات أن الثقافة قادرة على فتح مساحات للتقارب والعيش المشترك. إنه جزء من شبكة متنامية من الفعاليات الثقافية التي تسعى إلى إعادة رسم أفق السلام والوحدة والمصالحة في البلاد، وتؤكد أن الطريق إلى التعايش يبدأ من احترام التنوع والاحتفاء بالتراث.

شاركها.
اترك تعليقاً