تصعيد العقوبات على غزة: واشنطن تصنف الجماعة الإسلامية في لبنان “إرهابية”

انتقل الصراع المحتدم في غزة إلى ساحة جديدة، وهي ساحة العقوبات الدولية، حيث اتخذت الولايات المتحدة خطوة تصعيدية بإدراج الجماعة الإسلامية في لبنان على قائمة المنظمات الإرهابية، وتصنيف أمينها العام، محمد فوزي طقوش، كـ “إرهابي عالمي”. هذا القرار، الذي صدر في 23 يناير 2026، يثير تساؤلات حول الأبعاد الإقليمية والدولية، وتداعياته المحتملة على الساحة اللبنانية المعقدة. وتأتي هذه الخطوة في ظل تزايد الضغوط الدولية على الفصائل الفلسطينية وحلفائها، وتصاعد الاتهامات بـ تورط الجماعة الإسلامية في الأنشطة العسكرية الجارية.

دوافع القرار الأمريكي وتهميش الجماعة الإسلامية

بررت الإدارة الأمريكية قرارها بالإشارة إلى “تورّط جناح عسكري مرتبط بالجماعة الإسلامية خلال حرب غزة، عبر التنسيق مع حركة حماس وحزب الله وفصائل فلسطينية أخرى، في هجمات صاروخية استهدفت مواقع مدنية وعسكرية داخل إسرائيل”. هذا التصنيف يضع الجماعة في خانة “التنظيم الإرهابي الأجنبي”، ويعتبرها امتدادًا لجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما يمثل تشديدًا ملحوظًا في الموقف الأمريكي تجاه هذه القوى السياسية والدينية.

العديد من المراقبين يرون أن هذا القرار يمثل خدمة لإسرائيل، ويأتي في سياق جهود أوسع لتقويض النفوذ الإقليمي للقوى التي تدعم المقاومة الفلسطينية. كما أنه يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاطي الأمريكي مع القوى السياسية والدينية الفاعلة في لبنان، ويضع الساحة الداخلية أمام تحديات إضافية، خاصةً في ظل التوازنات الدقيقة والبيئة الإقليمية المتوترة.

ردود الفعل اللبنانية: سيادة أم تدخل خارجي؟

رفضت الجماعة الإسلامية في لبنان بشدة هذا التصنيف، واعتبرته قرارًا سياسيًا وإداريًا لا يستند إلى أي حكم قضائي لبناني أو دولي. وقال بسام حمود، نائب رئيس المكتب السياسي للجماعة، إن القرار يأتي في سياق إقليمي معروف يخدم مصالح الاحتلال الإسرائيلي، ويهدف إلى خلط الأوراق وتشويه صورة قوى سياسية واجتماعية لبنانية فاعلة.

وأكد حمود أن الجماعة الإسلامية هي مكون سياسي واجتماعي لبناني مرخّص، يعمل بشكل علني وضمن إطار القانون، وأن هذا التصنيف لن يؤثر على وجودها أو نشاطها طالما أن البلاد تحترم دستورها الذي يضمن الحريات السياسية. وشدد على استمرار الانفتاح على الحوار المسؤول والشفاف لتوضيح الحقائق ودحض أي مزاعم أو التباسات. هذا الموقف يعكس إصرار الجماعة على التمسك بشرعيتها السياسية والقانونية داخل لبنان.

الخلفية القانونية لتصنيف “المنظمات الإرهابية الأجنبية”

يشرح الدكتور محمد مشيك، الخبير في القانون الدولي، الخلفية القانونية لهذا النوع من التصنيفات، موضحًا أن إدراج أي جماعة على لائحة “المنظمات الإرهابية الأجنبية” في الولايات المتحدة يستند إلى المادة 219 من قانون الهجرة والجنسية الأمريكي. ويعتبر هذا الإجراء من بين التصنيفات الأكثر صرامة، نظرًا لتداعياته العابرة للحدود والتي تمتد آثارها إلى خارج الأراضي الأمريكية.

ويخضع اعتماد هذا التصنيف لمجموعة من الشروط الأساسية، بما في ذلك أن تكون الجهة المعنية منظمة أجنبية تنشط خارج الولايات المتحدة، وأن تكون -وفقًا للتقدير الأمريكي- منخرطة في أعمال تعتبر إرهابية، أو تمتلك القدرة والنية لتنفيذها في المستقبل، وأن يشكل هذا النشاط تهديدًا للأمريكيين أو لمصالح الولايات المتحدة أو لأمنها القومي. هذه الشروط تمنح الإدارة الأمريكية سلطة واسعة في تحديد من يعتبر “إرهابيًا” بناءً على مصالحها السياسية.

تداعيات القرار على لبنان والقطاع المالي

على الرغم من أن القانون الأمريكي يبقى قانونًا وطنيًا داخليًا، إلا أن الإشكالية الحقيقية تكمن في عولمته وتطبيقه على أحزاب وجماعات تنشط داخل دول ذات سيادة، وهو ما يتعارض مع مبادئ القانون الدولي التي تؤكد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

أما على المستوى القانوني المباشر، فقد حدد الأكاديمي مشيك ثلاثة مسارات رئيسية للنتائج المترتبة على إدراج الجماعة الإسلامية في لبنان:

  • تجريم أي شكل من أشكال الدعم المادي للجماعة، سواء كان ماليًا أو استشاريًا أو تعاونيًا.
  • تجميد الأصول المالية والمادية العائدة للجماعة أو للأفراد المنتمين إليها.
  • الملاحقات الأمنية والقضائية المحتملة، حيث قد تطلب أمريكا من دول أخرى توقيف أو ملاحقة أشخاص يُشتبه بانتمائهم إلى الجماعة.

من الناحية الإجرائية، أكد مشيك أن لبنان غير ملزم قانونًا بتبني لوائح الإرهاب الأمريكية، إلا أن ذلك لا يلغي التداعيات العملية، خاصةً على القطاع المصرفي اللبناني. فمن المرجح أن تتخذ المصارف إجراءات تقييدية أو توقف التعامل مع الأفراد المشتبه بهم، أو أن تقوم بتجميد أي أصول مرتبطة بالجماعة، وذلك لحماية نفسها من العقوبات. هذا قد يؤدي إلى إشكاليات قانونية تتعلق بحقوق الملكية والحقوق المالية.

سوابق مماثلة ومستقبل العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة

يذكر الكاتب والسياسي خلدون الشريف أن لبنان واجه حالات مماثلة في الماضي، أبرزها إدراج حزب الله على لوائح الإرهاب الأمريكية. ويتساءل الشريف عما إذا كانت مقاربة الدولة اللبنانية ستختلف هذه المرة، في حين أنها واصلت سابقًا التعامل الرسمي مع حزب يخضع لعقوبات دولية.

ويشير إلى حالة النائب علي حسن خليل، الخاضع لعقوبات أمريكية، والذي لا يزال يشغل منصبه في البرلمان، كدليل على أن العقوبات الخارجية لم تكن يوماً معيارًا حاسمًا في علاقة الدولة بمؤسساتها أو ممثليها المنتخبين. هذا يشير إلى أن لبنان قد يتبنى موقفًا براغماتيًا تجاه العقوبات الأمريكية، مع التركيز على الحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي. الوضع الحالي يضع الدولة اللبنانية أمام اختبار جديد في كيفية التعامل مع الضغوط الخارجية، والتأكيد على سيادة لبنان في مواجهة التدخلات الخارجية. مستقبل العلاقة بين لبنان والولايات المتحدة قد يعتمد على كيفية إدارة هذه القضية الحساسة، وعلى قدرة لبنان على الحفاظ على توازناته الداخلية والإقليمية. التحليل الدقيق لـ العقوبات الأمريكية وتداعياتها ضروري لفهم المشهد السياسي والاقتصادي في لبنان.

شاركها.
اترك تعليقاً