في خضم التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجهها فلسطين، ظهرت رؤية جديدة لـ إعادة بناء غزة، قدمها جاريد كوشنر، مستشار الرئيس الأمريكي وعضو مجلس السلام المشكل حديثًا، خلال منتدى دافوس الاقتصادي. هذه الخطة الطموحة، التي تهدف إلى تحويل قطاع غزة إلى وجهة استثمارية مزدهرة، أثارت جدلاً واسعًا بين المحللين والسياسيين، وتثير تساؤلات حول جدواها ومآلاتها المستقبلية. فهل تمثل هذه الخطة فرصة حقيقية لإنعاش القطاع، أم أنها مجرد مشروع سياسي مقنع بغطاء اقتصادي؟
خطة كوشنر الشاملة لغزة: رؤية طموحة أم وهم؟
كشفت الخريطة التي عرضها كوشنر عن تقسيم مفصل لقطاع غزة إلى مناطق عمرانية وزراعية وصناعية وسياحية، بالإضافة إلى مشاريع حيوية مثل ميناء بحري، ومطار دولي، ومعبر حدودي متطور. تهدف هذه الخطة إلى خلق مستقبل زاهر لغزة، التي تعاني من آثار مدمرة للحرب المتكررة والظروف المعيشية الصعبة. في حين أكد كوشنر أن “غزة الجديدة يمكن أن تكون مصدر أمل ووجهة بحد ذاتها”، يرى العديد من المراقبين أن الخطة محفوفة بالمخاطر والتحديات.
الأبعاد السياسية للخطة: أكثر من مجرد إعمار
يرى رامي خريس، مدير المركز الفلسطيني للدراسات السياسية، أن خطة كوشنر لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد مبادرة إنسانية أو مشروع إنقاذي لقطاع منكوب. بل هي، بحسبه، مشروع سياسي متكامل يتخفى وراء واجهة اقتصادية وعمرانية. ويؤكد أن الشكوك والتحفظات الفلسطينية تجاه الخطة نابعة من هذا البعد السياسي العميق.
الاشتراطات السياسية كجزء من عملية الإعمار
أحد أبرز جوانب هذا البعد السياسي هو ربط عملية الإعمار بشروط مسبقة واضحة، مثل نزع سلاح المقاومة الفلسطينية في المناطق التي يُفترض أن تبدأ فيها عمليات البناء. ويعتبر خريس أن هذا الشرط ليس مجرد تفصيل تقني، بل هو دليل على المقاربة الأمريكية التي تستخدم الإعمار كأداة ضغط وابتزاز سياسي. كما يشدد على أن الخطة لا يمكن فصلها عن السياق العام للسياسة الأمريكية المنحازة تاريخيًا لإسرائيل.
رؤية اقتصادية متماشية مع أجندة إسرائيلية؟
تتماشى الرؤية الاقتصادية التي تتضمنها خطة كوشنر بشكل كبير مع ما طرحه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في فترات سابقة حول “السلام الاقتصادي”. هذا المفهوم يركز على تحسين الظروف المعيشية للفلسطينيين دون معالجة جذور الصراع وحقوقهم المشروعة. ويؤكد خريس أن الخطة تمثل محاولة لإعادة صياغة الواقع السياسي والميداني في غزة من خلال سياسات تهدف إلى التدجين والإخضاع والتحكم، وتفتيت القضية الفلسطينية إلى ملفات اقتصادية وإدارية منفصلة.
تفاصيل الخطة: تقسيم جغرافي ومخاوف مستقبلية
تظهر الخريطة التي عرضها كوشنر تدرجًا في بناء غزة على مراحل، بدءًا من الجنوب وصولًا إلى الشمال. ويقسم المخطط القطاع إلى مناطق مختلفة: ساحل مخصص للأبراج السياحية، ومناطق حدودية شرقية صناعية تشبه المنطقة العازلة، بالإضافة إلى ميناء ومطار وسكة حديد، ومعبر حدودي في أقصى جنوب شرق رفح. هذا التقسيم يثير مخاوف بشأن طبيعة هذا المخطط وهدفه الحقيقي.
السيطرة الأمنية والإدارة السكانية
يرى خريس أن هذا التقسيم يعكس “هندسة سيطرة دقيقة”، وأن المشاريع المقترحة تبدو مصممة لخدمة اعتبارات سياسية وأمنية أكثر من كونها استجابة فعلية لاحتياجات السكان. كما أن ترتيب مراحل الإعمار، الذي يبدأ بمناطق دون غيرها، يوحي بأن العملية ستكون مرتبطة بدرجة الامتثال السياسي والأمني، وليس بحجم الدمار أو الأولويات الإنسانية. ويحذر من أن غياب التواصل العمراني بين المدن المقترحة قد يهدف إلى تسهيل السيطرة الأمنية وإدارة السكان.
التحديات الاقتصادية والاجتماعية لـ إعادة بناء غزة
بالإضافة إلى المخاوف السياسية، يواجه مشروع إعادة بناء غزة تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة. يقول أحمد أبو قمر، المختص في الشأن الاقتصادي، إن المشروع يواجه تحديات جوهرية ومعقدة، بدءًا من الاشتراطات السياسية وصولًا إلى غموض التمويل ومصير السكان والموارد البشرية. ويضيف أن المشروع مشروط بنزع السلاح وتحويل غزة إلى مشروع استثماري ضخم، مما يجعله عرضة لمخاطر عالية.
مصير السكان والموارد البشرية
أحد أبرز الأسئلة التي لم تجب عليها الخطة هو مصير سكان غزة. كيف سيتم التعامل معهم؟ وكيف سيتم تعويض المتضررين؟ وأين سيعيشون خلال مراحل التنفيذ؟ ويحذر أبو قمر من أن تجاهل هذه الأسئلة قد يؤدي إلى سيناريوهات خطيرة، مثل التهجير القسري أو الطوعي.
مستقبل غزة: بين الأمل والتشاؤم
في الختام، تظل خطة كوشنر لـ إعادة بناء غزة محاطة بالغموض والجدل. في حين أنها تقدم رؤية طموحة لإعادة إعمار القطاع وتحويله إلى وجهة استثمارية، إلا أنها تثير مخاوف سياسية واقتصادية واجتماعية عميقة. لتحقيق النجاح، يجب أن تأخذ الخطة في الاعتبار احتياجات السكان وحقوقهم المشروعة، وأن تكون جزءًا من حل سياسي شامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. يبقى السؤال: هل ستكون هذه الخطة بداية حقبة جديدة من الازدهار لغزة، أم أنها مجرد حلقة أخرى في سلسلة من المشاريع الفاشلة؟ المستقبل وحده كفيل بالإجابة.















