أعلنت شركة ماستركارد منح مجموعة QNB، أكبر مؤسسة مالية في الشرق الأوسط وأفريقيا، ترخيصًا يتيح لها توسيع أنشطتها في إصدار البطاقات وقبول المدفوعات داخل سوريا. هذه الخطوة، التي جاءت بعد مذكرة تفاهم مع مصرف سوريا المركزي في سبتمبر/أيلول 2025، تحمل في طياتها وعودًا بتحديث البنية التحتية للمدفوعات الرقمية في البلاد، وتعزيز الشمول المالي، وتوفير حلول دفع أكثر أمانًا وحداثة للأفراد والشركات. الآن، يترقب السوريون تأثير هذه الشراكة على الاقتصاد المحلي، خاصة مع تزايد الحاجة إلى الدفع الإلكتروني وتسهيل المعاملات التجارية.

خطوة تاريخية نحو تحديث النظام المالي السوري

يمثل هذا الترخيص نقطة تحول مهمة في مسيرة النظام المالي السوري، الذي عانى لسنوات طويلة من قيود وعقوبات أثرت سلبًا على قدرته على التعامل مع الاقتصاد العالمي. إن دخول شركة عالمية بحجم ماستركارد، وبالشراكة مع مجموعة QNB ذات النفوذ الإقليمي، يعكس ثقة متزايدة في الاستقرار النسبي الذي تشهده سوريا، ورغبة في المساهمة في عملية إعادة الإعمار والتنمية.

أكد آدم جونز، الرئيس الإقليمي لماستركارد، على التزام الشركة تجاه سوريا كمستثمر أوائل في سوق واعد، مع الالتزام الكامل بالمعايير التنظيمية. من جانبه، أعرب يوسف محمود النعمة، الرئيس التنفيذي للأعمال في مجموعة QNB، عن فخره بهذه الخطوة التي تتماشى مع استراتيجية التوسع الإقليمي للمجموعة.

تأثير الترخيص على الاقتصاد السوري

يرى الدكتور أسامة قاضي، المستشار الأول في وزارة الاقتصاد السورية، أن هذا الترخيص يمثل خطوة أساسية في إعادة بناء البنية التحتية المصرفية السورية المتضررة. إن تشجيع تبني المدفوعات الرقمية سيساهم بشكل كبير في الانتقال من الاعتماد المفرط على التداول النقدي إلى آليات أكثر حداثة وفعالية.

تلبية حاجة السوق المتزايدة

يشير الدكتور قاضي إلى أن السوق السورية متعطشة لآلات الصراف الآلي وأجهزة الدفع في نقاط البيع، وذلك لما لهذه الأجهزة من دور حيوي في تنظيم تدفق النقد. كما أن تسهيل عمليات الدفع داخل سوريا سيشجع السياحة، حيث سيتمكن السياح من استخدام بطاقاتهم الائتمانية في الفنادق والمطاعم، مما يعزز الحركة التجارية ويسرع وتيرة التداول.

حاكم مصرف سوريا المركزي، عبد القادر حصرية، وصف ماستركارد بأنها “شريك استراتيجي” بفضل شبكتها العالمية وحلولها التقنية المتقدمة. وأضاف أن مذكرة التفاهم تمثل إطارًا لتبادل الخبرات وتعزيز البنية التحتية للمدفوعات، مما يدعم الشمول المالي ويعزز الاقتصاد السوري.

تعزيز القدرات المالية المحلية والمواءمة مع المعايير الدولية

يعتبر الباحث الاقتصادي أدهم قضيماتي أن دخول ماستركارد إلى السوق السورية، من خلال شراكتها مع QNB، خطوة مهمة لتعزيز القدرات المالية المحلية. فمجموعة QNB تمتلك بنية تحتية قوية، مما سينعكس إيجابًا على النظام المالي السوري، ويساهم في مواءمة الأنظمة المالية المحلية مع المعايير الدولية.

بالإضافة إلى ذلك، ستعمل هذه الشراكة على تعزيز البنوك المحلية وتسهيل عمليات الدفع للسياح والتجار الأجانب، مما يفتح آفاقًا جديدة للتجارة والاستثمار. إن توفير خيارات دفع متنوعة وموثوقة سيجعل سوريا وجهة أكثر جاذبية للأعمال والاستثمارات الأجنبية.

التحديات التي تواجه انتشار الدفع الإلكتروني في سوريا

على الرغم من الإيجابيات الواضحة، يرى قضيماتي أن هناك بعض الإشكاليات التي قد تحد من الاستفادة الكاملة من هذا الترخيص. أبرز هذه الإشكاليات هو ضعف انتشار أجهزة الدفع الإلكتروني في المحال التجارية، مما يجعل الدخول في هذه المرحلة أقرب إلى الطابع الرمزي منه إلى العملي.

الحاجة إلى تحديث الأنظمة والقوانين المالية

بالإضافة إلى ذلك، تحتاج الأنظمة والقوانين المالية السورية إلى تحديث شامل لتمكين ربط البنوك السورية بالمنظومة المالية العالمية. كما أن آثار العقوبات السابقة تتطلب عملية إعادة هيكلة متكاملة للنظام المالي. إن غياب الأجهزة اللازمة، بالإضافة إلى ضعف ثقافة التجارة الإلكترونية، قد يعيق نمو التجارة الإلكترونية والسياحة في المدى القصير.

مكافحة غسل الأموال وتعزيز الشفافية

أما فيما يتعلق بمخاوف غسل الأموال، فيعتقد قضيماتي أن سوريا لن تواجه مشكلات كبيرة في هذا الصدد، بفضل اعتماد أنظمة جديدة وضوابط صارمة، بالإضافة إلى الرقابة المشددة عند الاندماج في المنظومة المالية العالمية. هناك قوانين جديدة لتعزيز التعاملات الإلكترونية، ومقترحات لسن تشريعات تلزم التجار بتوفير أجهزة الدفع، ولكن يبقى التحدي في جاهزية الحكومة لتأمين هذه الأجهزة وفي جاهزية شبكة الإنترنت.

نحو مستقبل مشرق للدفع الرقمي في سوريا

المهندس خالد الصعيدي، العضو الاستشاري في التحالف السوري الأميركي للسلام والازدهار، يرى أن هذه الشراكة تمثل خطوة عملية نحو إعادة دمج الاقتصاد السوري في الدورة المالية الدولية، بدءًا من قنوات الدفع قبل التمويل والاستثمار. إن تمكين إصدار وقبول البطاقات يفتح قناة مباشرة مع الشبكات الدولية، ويقلل الاعتماد على النقد، ويعيد الثقة بالقطاع المصرفي.

إن توسيع نطاق الخدمات المالية الرقمية يمكن أن يكون محركًا رئيسيًا للتعافي الاقتصادي في سوريا، سواء في قطاع السياحة أو في التجارة الإلكترونية. كما يساهم الدفع الرقمي في تعزيز الشفافية وتوسيع القاعدة الضريبية والحد من الاقتصاد غير المنظم.

لتحقيق ذلك، يوصي الصعيدي بتحديث الإطار القانوني لحماية المستهلك وتنظيم خدمات الدفع، وتعزيز الرقابة المبنية على تقييم المخاطر، وتشجيع التجار عبر خفض الكلف وتقديم حوافز للصغار، وضمان نشر الخدمات في المناطق الريفية. إن هذه الخطوات ستضمن تحويل الشراكة بين ماستركارد و QNB إلى محرك فعلي للتعافي الاقتصادي المستدام في سوريا. كما أن دخول ماستركارد قد يشجع شركات مدفوعات أخرى على دراسة العمل في السوق السورية.

شاركها.
اترك تعليقاً