في وقت يحيي فيه العالم “اليوم الدولي للتعليم” (24 يناير/ كانون الثاني) تحت وطأة أزمات مركبة، تبرز التساؤلات حول جدوى المفاهيم التقليدية لحق التعلم في مناطق الصراع والنزوح. لم يعد التعليم اليوم مجرد مقعد دراسي أو كتاب مدرسي، بل تحول في ظل النزاعات الممتدة والأزمات المناخية إلى “طوق نجاة” ومنظومة حماية متكاملة ترتبط بالكرامة الإنسانية والتمكين الاقتصادي، وهو ما يضع المؤسسات الدولية أمام تحدي الانتقال من الإغاثة التعليمية المؤقتة إلى بناء نماذج مستدامة تقاوم الانكسار. وتستضيف “الجزيرة نت” في هذا الحوار مانع الأنصاري، الرئيس التنفيذي للتمكين الاقتصادي بمؤسسة “التعليم فوق الجميع”، للحديث عن تعقيدات المشهد التعليمي والدروس المستفادة من العمل الميداني في مناطق النزاع، وكيف يمكن للتعليم الرقمي أن يقلص الفجوة المعرفية.

مفهوم “الحق في التعليم” في عالم متغير

لم يعد الحق في التعليم في عالمنا اليوم مجرد الوصول إلى المدرسة، بل تطور ليشمل أبعادًا أعمق وأكثر تعقيدًا. في ظل النزاعات المستمرة، والتغيرات المناخية الحادة، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، أصبح التعليم ضرورة حتمية لضمان بقاء الأطفال والشباب آمنين وممكنين. هذا الحق الشامل يتجاوز مجرد التسجيل في الفصول الدراسية ليشمل الحماية من العنف والاستغلال، وضمان الاستمرارية في التعلّم حتى في أصعب الظروف.

الكوارث الطبيعية والنزوح القسري لا تدمر المدارس فحسب، بل تقتلع الأطفال من بيئاتهم التعليمية، وتعرّضهم لمخاطر جمة. لذلك، فإن ضمان “استمرارية التعلّم أثناء الأزمات” هو جزء أساسي من الحق في التعليم في القرن الحادي والعشرين. كما أن توفير بدائل تعليمية مرنة، مثل التعليم عن بعد أو المراكز المجتمعية، يصبح أمرًا بالغ الأهمية عندما يتعذر الوصول إلى المدارس التقليدية.

التعليم لم يعد مجرد مسار أكاديمي، بل هو أداة أساسية لتمكين الشباب من اكتساب مهارات الحياة والعمل اللازمة للتكيّف مع التحديات الاقتصادية والمناخية المتسارعة. إنه يحميهم من عمالة الأطفال، والتجنيد القسري، والاستغلال، ويمنحهم الفرصة لبناء مستقبل أفضل لأنفسهم ولمجتمعاتهم. هذا الارتباط الوثيق بين التعليم والتمكين الاقتصادي يجعله حقًا أساسيًا للكرامة الإنسانية والفرصة العادلة.

دروس من العمل الميداني في مناطق النزاع

من خلال عملها المكثف في مناطق النزاع والأزمات، استخلصت مؤسسة “التعليم فوق الجميع” دروسًا قيمة حول كيفية تصميم وتنفيذ برامج تعليمية فعالة في البيئات الأكثر هشاشة. أحد أهم هذه الدروس هو أن التعليم في هذه المناطق لا يمكن أن يكون منفصلاً عن السياق المحلي. البرامج التقليدية، مهما كانت جيدة، غالبًا ما تفشل إذا لم تأخذ في الاعتبار واقع النزوح، وانعدام الأمن، والفقر المدقع، والضغوط النفسية التي يعيشها الأطفال والأسر.

لذلك، انتقلت المؤسسة من نماذج جاهزة إلى برامج مرنة وقابلة للتكيّف مع الظروف المتغيرة على الأرض. كما أدركت أن الاستمرارية في التعلّم أهم من الشكل التقليدي للتعليم. في كثير من الحالات، لا يكون الهدف هو العودة الفورية إلى المدارس النظامية، بل منع الانقطاع الكامل عن التعليم. وهذا الفهم أدى إلى تصميم مسارات تعليمية بديلة، وتعليم مجتمعي، وبرامج تعويض الفاقد التعليمي.

حماية التعليم أصبحت بنفس أهمية توفيره. الاعتداء على المدارس والمعلمين والطلاب هو واقع مأساوي في العديد من النزاعات. لذلك، أصبحت اعتبارات الأمان، والحماية، والدعم النفسي والاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من تصميم البرامج التعليمية. بالإضافة إلى ذلك، أدركت المؤسسة أن التعليم وحده لا يكفي إذا لم يترجم إلى فرص حياة أفضل، خاصة للشباب. ومن هنا، جرى الربط الوثيق بين التعليم، والمهارات، والتمكين الاقتصادي.

التعليم والتوظيف: شراكة ضرورية

الربط بين التعليم والتوظيف هو مفتاح معالجة بطالة الشباب في العالم العربي. تتعامل مؤسسة “التعليم فوق الجميع” مع هذا التحدي من خلال تصميم برامج تعليمية وتدريبية مرتبطة باحتياجات سوق العمل المحلي. التركيز ليس على الشهادات فقط، بل على المهارات القابلة للتوظيف، مثل المهارات الرقمية، والريادية، والمهارات الحياتية.

في اليمن، على سبيل المثال، طبقت المؤسسة مشروع “مستقبلك” الذي يجمع بين القروض الإلكترونية الخالية من الفوائد، والتدريب على إدارة الأعمال، والإرشاد الفردي لرواد الأعمال. هذا التكامل مكّن آلاف الشباب من تحويل المعرفة إلى مصدر دخل، والحفاظ على مشاريع قائمة أو إطلاق مشاريع جديدة. وفي المغرب ومصر، تدعم المؤسسة برامج تهدف إلى مواءمة التدريب المهني مع احتياجات القطاعات الاقتصادية الواعدة، وتوفير فرص للشباب للاندماج في سوق العمل أو تأسيس مشاريعهم الخاصة.

التعليم الرقمي: فرصة أم فجوة؟

التعليم الرقمي يمثل فرصة هائلة لتقليص الفجوة التعليمية في الدول منخفضة الدخل، ولكنه قد يؤدي أيضًا إلى تعميقها إذا لم يتم تنفيذه بشكل صحيح. يجب أن يكون التعليم الرقمي وسيلة لتعزيز الوصول إلى التعليم، وليس أداة لإقصاء الفئات الأكثر هشاشة.

لذلك، تتبنى المؤسسة نهجًا يقوم على تكييف التكنولوجيا مع الواقع المحلي، من خلال حلول منخفضة التكلفة، ومحتوى تعليمي يعمل دون اتصال دائم بالإنترنت، والاستفادة من الأدوات المتاحة. كما تؤكد على أهمية الاستثمار في تدريب المعلمين، وضمان جودة المحتوى التعليمي، وتوفير الدعم اللازم للمتعلمين. التعليم الرقمي يجب أن يكون جزءًا من منظومة تعليمية شاملة تضمن العدالة وتكافؤ الفرص.

الشراكات: مفتاح النجاح

تعتبر الشراكات مع الحكومات، والمنظمات الدولية، والمجتمع المدني أمرًا حيويًا لتعظيم أثر برامج مؤسسة “التعليم فوق الجميع”. هذه الشراكات تتيح التكامل في الأدوار والمسؤوليات، ومواءمة البرامج مع السياسات الوطنية، والاستفادة من الخبرات والموارد المتاحة. العمل المشترك هو السبيل الوحيد لتحقيق تغيير مستدام في مجال التعليم، خاصة في سياقات النزاع والأزمات.

رسالة في اليوم الدولي للتعليم

في هذا اليوم الدولي للتعليم، نؤكد على أن الاستثمار في التعليم ليس مجرد خيار، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء مستقبل أفضل للجميع. يجب على صنّاع القرار في العالم العربي والعالم إعطاء الأولوية للتعليم، وتوفير الموارد اللازمة لضمان حصول جميع الأطفال والشباب على تعليم جيد وشامل. التعليم هو مفتاح الاستقرار، والتنمية، والسلم الاجتماعي، وهو حق أساسي يجب أن يتمتع به كل فرد.

شاركها.
اترك تعليقاً