عاد ملف التنافس على المدار الأرضي المنخفض إلى صدارة الاهتمام العالمي، عقب الكشف عن تحركات صينية واسعة النطاق تهدف إلى حجز مواقع مدارية قد تفتح الباب مستقبلاً أمام إطلاق مئات الآلاف من الأقمار الصناعية. هذه الخطوة أعادت طرح تساؤلات حادة حول ازدحام الفضاء وتوازن النفوذ في عصر الإنترنت الفضائي، وتحديداً مستقبل المدار الأرضي المنخفض كبنية تحتية حيوية للاتصالات.
ورغم أن هذه التحركات التنظيمية أُنجزت في وقت سابق، فإنها لم تثر ضجة تُذكر عند تقديمها، قبل أن تتضح أبعادها الفعلية مع التسارع غير المسبوق في إطلاق الأقمار الصناعية التجارية عالميا، واحتدام النقاش حول مصير المدار الأرضي المنخفض باعتباره موردا محدودا ومشتركا. تأتي هذه التطورات في ظل سباق متزايد بين الشركات والدول للسيطرة على هذا المدار الحيوي.
شبكات عملاقة وتنسيق وطني في المدار الأرضي المنخفض
الجزء الأكبر من هذه الطلبات جاء عبر معهد صيني حديث التأسيس مدعوم من الدولة، متخصص في ابتكار واستغلال الطيف الترددي، وتضمن مقترحين رئيسيين لشبكتين فضائيتين ضخمتين، تحملان اسمَي “سي تي سي 1 و2” (CTC-2+1). يقترح كل منهما نشر ما يقارب 97 ألف قمر صناعي موزعة على آلاف المدارات. هذا الحجم الهائل من الأقمار الصناعية المقترحة يثير تساؤلات حول القدرة على إدارة هذه الشبكات بشكل فعال.
إلى جانب ذلك شاركت مؤسسات صينية كبرى أخرى، من بينها مجموعة شبكة الأقمار الصناعية الصينية، وشركتا “تشاينا تيلوكم” و”تشاينا موبايل”، إضافة إلى شركات فضاء تجارية ناشئة، في تقديم طلبات منفصلة لشبكات تضم آلاف الأقمار. هذا التنوع يعكس تحول مشروع الإنترنت الفضائي في الصين من مبادرات تجارية متفرقة إلى إستراتيجية وطنية منسّقة تجمع بين القطاعين العام والخاص.
التحديات التنظيمية والتقنية
تنفيذ شبكات بهذا الحجم يواجه تحديات هائلة، تشمل القدرة على تصنيع الأقمار وتوفير منصات الإطلاق، وبناء البنية التحتية الأرضية. بالإضافة إلى ذلك، هناك حاجة إلى تطوير تقنيات متقدمة لتجنب الاصطدامات بين الأقمار الصناعية وضمان سلامة المدار.
فضلا عن التحديات التقنية، تواجه هذه المشاريع عقبات تنظيمية كبيرة، بما في ذلك عملية الموافقة الطويلة لدى الاتحاد الدولي للاتصالات، التي قد تمتد سنوات. يجب على الشركات والدول الحصول على موافقة الاتحاد الدولي للاتصالات قبل إطلاق أي قمر صناعي لضمان عدم تداخل إشاراته مع الأقمار الأخرى.
بين الطموح والواقع: دوافع الصين في الفضاء
تأتي هذه الخطوة في سياق انتقادات صينية سابقة لشبكة “ستارلينك” التابعة لشركة “سبيس إكس” (SpaceX)، لما تسببه من ازدحام في المدار الأرضي المنخفض. الصين أعربت عن قلقها بشأن سلامة الأقمار الصناعية الأخرى بسبب العدد الكبير من أقمار “ستارلينك”.
ويرى محللون أن التحركات الصينية قد تكون جزئيا ردا إستراتيجيا يهدف إلى تأمين موطئ قدم مبكر في المدار والطيف، حتى لو لم تنفَّذ جميع هذه الخطط على أرض الواقع. هذا يسمح للصين بالمشاركة بفعالية في تشكيل مستقبل الفضاء والحفاظ على مصالحها الوطنية.
الطلب الصيني يمثل أيضاً محاولة لتعزيز استقلالية الصين في مجال الاتصالات وتقليل اعتمادها على الأنظمة الأجنبية. تطوير شبكة قمر صناعي خاصة بها سيمكن الصين من توفير خدمات الإنترنت والاتصالات لجميع أنحاء البلاد، بما في ذلك المناطق النائية التي لا تتوفر فيها خدمات الاتصالات التقليدية.
في الوقت الحالي، لا يتجاوز عدد الأقمار الصناعية العاملة عشرة آلاف قمر، تستحوذ “سبيس إكس” وحدها على النسبة الأكبر منها. إذا ما نُفذت الخطط الصينية حتى جزئيا، فإنها ستغيّر بشكل جذري ميزان القوى في الفضاء، وتطرح تساؤلات جديدة حول إدارة الازدحام الفضائي والسلامة المدارية وعدالة الوصول إلى الموارد المشتركة. العديد من الخبراء يتوقعون زيادة في التعاون الدولي لمعالجة هذه القضايا.
وبغض النظر عن مصير هذه الطلبات، فإنها تمثل إشارة واضحة إلى أن الصين لا تسعى فقط إلى اللحاق بركب المنافسة الفضائية، بل إلى إعادة رسم قواعدها في العقود المقبلة. من المتوقع أن يشهد الاتحاد الدولي للاتصالات مناقشات مكثفة حول هذه الطلبات في الأشهر القادمة، مع التركيز على تقييم تأثيرها على البيئة الفضائية.














