في خضمّ التوترات السياسية، أثار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب جدلاً واسعاً بتصريحاته الأخيرة حول دور قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) في أفغانستان. هذه التصريحات، التي بدت في البداية مُقلّلة من شأن تضحيات الحلفاء، دفعت إلى ردود فعل غاضبة من قادة أوروبيين، قبل أن يحاول ترامب، ولو بشكل جزئي، تهدئة الأجواء بالإشادة بالجنود البريطانيين. هذا التحول المفاجئ، والتصعيد اللاحق في الانتقادات، يلقي الضوء على تعقيدات العلاقات عبر الأطلسي وأهمية التحالف الدولي في أفغانستان.

تصريحات ترامب المثيرة للجدل وردود الفعل الأولية

بدأت القصة بتصريحات الرئيس ترامب خلال مقابلة مع قناة “فوكس نيوز”، حيث قلل من أهمية دور الدول الأخرى في حلف الناتو خلال غزو أفغانستان الذي بدأ عام 2001. ادعى ترامب أن واشنطن “لم تكن بحاجة إليهم أبداً”، وأن قوات الدول الحليفة كانت “بعيدة عن خطوط المواجهة”. هذه التصريحات لم تلقَ قبولاً لدى العديد من الحلفاء، وخاصةً بريطانيا، التي فقدت 457 جندياً في الحرب الأفغانية.

رد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بقوة على هذه التصريحات، واصفاً إياها بأنها “مهينة وصادمة”. وأشار إلى أن الجنود البريطانيين قاتلوا جنباً إلى جنب مع القوات الأمريكية، وأن الكثير منهم لم يعودوا إلى وطنهم. كما أكد ستارمر على ضرورة تذكر تضحيات هؤلاء الجنود، مشيداً بشجاعتهم وبطولتهم.

محاولة تهدئة الأجواء والإشادة بالجنود البريطانيين

بعد الضجة التي أثارتها تصريحاته، نشر ترامب على منصة “تروث سوشيال” رسالة إشادة بالقوات البريطانية. وصف القوات البريطانية بأنها “لا يعلى عليها”، وأشاد بشجاعة جنود المملكة المتحدة، مؤكداً أنهم “سيبقون دائماً مع الولايات المتحدة”. وأضاف أن رابطاً قوياً يجمع بين البلدين، وأن تضحيات الجنود البريطانيين في أفغانستان لن تُنسى.

هذه الإشادة جاءت أيضاً في سياق مكالمة هاتفية جمعت بين ترامب وستارمر. ووفقاً لمتحدث باسم رئاسة الحكومة البريطانية، تحدث ستارمر عن “الجنود البريطانيين والأمريكيين الشجعان والبطوليين الذين قاتلوا جنباً إلى جنب في أفغانستان”. على الرغم من هذه المحاولة لتهدئة الأجواء، إلا أن الانتقادات لم تتوقف.

تصاعد الانتقادات من دول الناتو الأخرى

لم تقتصر ردود الفعل الغاضبة على بريطانيا. فقد أعربت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني عن “ذهولها” من تصريحات ترامب، بينما جدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون “امتنان البلاد” لعائلات الجنود الفرنسيين الذين سقطوا في أفغانستان.

العديد من القادة الأوروبيين الآخرين أعربوا عن استيائهم. استذكر رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك مشاركته في مراسم وداع الجنود البولنديين الذين قتلوا في أفغانستان، بينما ذكّر وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس بـ”الثمن الباهظ” الذي دفعته بلاده في الحرب الأفغانية. كما انتقدت رئيسة الوزراء الدانماركية ميته فريدريكسن بشدة تصريحات ترامب، معربة عن الألم الذي يشعر به المحاربون القدامى الدانماركيون.

أهمية التضحيات المشتركة في أفغانستان

تُظهر هذه ردود الفعل مدى حساسية موضوع التحالف الدولي في أفغانستان، وأهمية الاعتراف بتضحيات جميع الجنود الذين شاركوا في هذه الحرب. فقد عملت قوات الناتو جنباً إلى جنب مع القوات الأفغانية لمواجهة طالبان وتنظيم القاعدة، وساهمت في تحقيق قدر من الاستقرار والأمن في البلاد. على الرغم من أن الحرب انتهت بسحب القوات الدولية وسيطرة طالبان على أفغانستان، إلا أن تضحيات هؤلاء الجنود لا يمكن إنكارها أو التقليل من شأنها.

تداعيات تصريحات ترامب على العلاقات عبر الأطلسي

تأتي تصريحات ترامب في وقت تشهد فيه العلاقات عبر الأطلسي بعض التوتر. فقد أثار الرئيس الأمريكي السابق العديد من الخلافات مع حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا خلال فترة ولايته، وخاصةً فيما يتعلق بتمويل الناتو والتجارة. من المرجح أن تؤدي هذه التصريحات إلى تفاقم هذه التوترات، وتزيد من الشكوك حول التزام الولايات المتحدة بحلفائها. التحالف الدولي في أفغانستان كان مثالاً على التعاون العسكري الوثيق بين الولايات المتحدة وحلفائها، والتقليل من هذا التعاون قد يضر بثقة الحلفاء في الولايات المتحدة.

الخلاصة: ضرورة الحفاظ على الوحدة بين الحلفاء

في الختام، تثير تصريحات دونالد ترامب حول دور قوات الناتو في أفغانستان تساؤلات مهمة حول تقدير التضحيات المشتركة وأهمية الوحدة بين الحلفاء. على الرغم من محاولته تهدئة الأجواء بالإشادة بالجنود البريطانيين، إلا أن الانتقادات الواسعة من دول الناتو الأخرى تُظهر أن الأمر يتطلب أكثر من ذلك. من الضروري الاعتراف بدور جميع الجنود الذين شاركوا في الحرب الأفغانية، وتذكر تضحياتهم، والعمل على تعزيز الثقة والتعاون بين الولايات المتحدة وحلفائها. التحالف الدولي في أفغانستان يمثل تجربة مهمة يجب استخلاص العبر منها، لضمان عدم تكرار الأخطاء في المستقبل والحفاظ على الأمن والاستقرار العالميين. نأمل أن تشجع هذه الأحداث على حوار بناء بين الأطراف المعنية، وأن تؤدي إلى فهم أفضل للعلاقات المعقدة التي تربط بين دول الناتو.

شاركها.
اترك تعليقاً