رحلة في ذاكرة الشعر العربي: “يوميات عابر أطلال” لعبد الله السمطي

تستدعينا رحلة فريدة من نوعها عبر الزمن والمكان، رحلة تقودنا إلى قلب الصحراء العربية، حيث تجسدت أروع القصائد وأخلد الحكايات. هذا ما يقدمه لنا الشاعر والناقد المصري المقيم في الرياض، عبد الله السمطي، في كتابه الجديد “يوميات عابر أطلال: من مرابع امرئ القيس إلى منازل حاتم الطائي”. الكتاب ليس مجرد توثيق جغرافي، بل هو استكشاف عميق للعلاقة بين أماكن الشعراء والشعر نفسه، وكيف شكلت هذه البيئات الإبداعية نتاجًا أدبيًا لا يزال يتردد صداه حتى اليوم. يمثل هذا العمل إضافة قيمة للباحثين وعشاق الأدب العربي، ويدعو إلى إعادة اكتشاف تراثنا الشعري العريق.

استلهام المعلقات: رحلة بحث عن الأصول

ينطلق السمطي في كتابه من شغفه الشخصي بأرض الجزيرة العربية وشعرائها القدماء. لطالما راوده الحلم بزيارة المواقع التي ألهمت هؤلاء العمالقة، والتي ورد ذكرها في معلقاتهم وقصائدهم الخالدة. لم تكن هذه الرحلة منفردة، بل شاركه فيها نخبة من الباحثين السعوديين الذين ساهموا بخبرتهم ومعرفتهم في تحديد هذه المواقع وتوثيقها.

من امرئ القيس إلى حاتم الطائي: مسار الرحلة

توزعت رحلة السمطي بين معالم تاريخية وأدبية بارزة. بدأت من مرابع امرئ القيس، حيث استلهم قصائده الشهيرة، مرورًا بمنازل حاتم الطائي، رمز الكرم والجود. لم يقتصر الأمر على هذين الشاعرين فحسب، بل شملت الرحلة أيضًا أماكن مرتبطة بشخصيات أسطورية مثل مجنون ليلى، والحطيئة، ولبيد بن ربيعة، وعنترة بن شداد العبسي، وطرفة بن العبد.

كما زار السمطي مواقع أخرى ذات دلالة تاريخية وأدبية، مثل جبال سنامة، ووادي مأسل، والدخول وحومل، وبرقة ثهمد، وديار الخنساء، وصخرة عنترة وعيون الجواء. هذه المواقع ليست مجرد تضاريس جغرافية، بل هي شواهد حية على عصور مضت، وحاضنة لأحلام وإبداعات الشعراء.

توثيق بالكلمة والصورة: إحياء الذاكرة المكانية

لم يكتفِ السمطي بزيارة هذه الأماكن الأدبية، بل قام بتوثيقها بدقة بالكلمة والصورة. يسعى الكتاب إلى تقديم دليل شامل وموثق لهذه المواقع، مما يتيح للقارئ أن يعيش التجربة بنفسه، وأن يتخيل كيف كان يعيش الشعراء في تلك البيئات. هذا التوثيق يمثل جهدًا كبيرًا في الحفاظ على الذاكرة المكانية للشعر العربي، ونقلها إلى الأجيال القادمة.

“جبل التوباد”: حلم يتحقق

يُعد “جبل التوباد” من أبرز المواقع التي حظيت باهتمام خاص في الكتاب. يعتبر هذا الجبل رمزًا للحب العفيف، حيث كان المجنون قيس بن الملوح يلتقي بليلى العامرية. كان السمطي يحلم بزيارة هذا المكان منذ أن استقر في الرياض، واعتبره نقطة انطلاق لرحلته في تراث الشعر العربي. يصف السمطي الصحراء بأنها ليست مجرد رمال قاحلة، بل هي مروج ووديان وسهول منبسطة، بل وفي شمال المملكة تجري فيها المياه كالأنهار القديمة.

فصول الكتاب: نظرة معمقة على الإرث الشعري

يتناول الكتاب مجموعة متنوعة من المواضيع المتعلقة بالشعر العربي وأماكنه. يتضمن فصولًا عن نقوش الوعل على جبال الخانق وجبال القهر، وحكمة المكان والزمان، وعن قصة “أم جنيب” الثعبان الأسطوري. كما يخصص فصولًا للحديث عن خضراء الدمن وقرون بقر ووادي بيشة، ودارة جلجل ومكابد البحث عن أطلال امرئ القيس. هذه الفصول تقدم للقارئ نظرة معمقة على الإرث الشعري العربي، وكيف تجسد هذا الإرث في البيئة المحيطة.

السمطي: شاعر وناقد يساهم في إثراء المشهد الأدبي

عبد الله السمطي ليس مجرد مؤلف لهذا الكتاب، بل هو شاعر وناقد أدبي له مسيرة حافلة بالإنجازات. يمتد شغفه بالشعر لأكثر من أربعة عقود، كتب خلالها القصيدة العمودية والنثرية والتفعيلة. حظيت دواوينه الشعرية بدراسات نقدية متعددة، مما يدل على قيمتها الأدبية العالية.

بالإضافة إلى ذلك، يمتلك السمطي مجموعة من الإصدارات النقدية التي تدور حول الشعر، وقد ساهم في تطوير الوعي الشعري من خلال نصوصه الحداثية الحرة، وقصيدة النثر، ودراساته النقدية حول الشعر العربي. يُعد السمطي أحد الأصوات البارزة في المشهد الأدبي المعاصر، وله دور فعال في إثراء هذا المشهد.

في الختام: دعوة لاستكشاف كنوز الأدب العربي

“يوميات عابر أطلال” هو عمل أدبي وتاريخي قيم، يستحق القراءة والتقدير. يدعونا الكتاب إلى إعادة اكتشاف أماكن الشعراء، وإلى فهم العلاقة الوثيقة بين الشعر والبيئة. كما يذكرنا بأهمية الحفاظ على تراثنا الأدبي، ونقله إلى الأجيال القادمة. إن هذا الكتاب ليس مجرد قراءة ممتعة، بل هو رحلة في ذاكرة الشعر العربي، ورحلة في أعماق ثقافتنا وحضارتنا. ندعوكم لقراءة هذا العمل المتميز والتفاعل معه، ومشاركة آرائكم وانطباعاتكم حوله.

شاركها.
اترك تعليقاً