تصعيد عسكري في جنوب السودان: هل تعود البلاد إلى الحرب الأهلية؟

تشهد دولة جنوب السودان منذ أسابيع تصعيدًا عسكريًا مقلقًا يهدد بتقويض اتفاق السلام الهش وإعادة البلاد إلى دوامة العنف والصراع. وتتزايد المخاوف من أن تتجه الأمور نحو حرب أهلية شاملة، مع توسع الاشتباكات بين القوات الحكومية وفصائل المعارضة المسلحة، وعلى رأسها تلك التي يقودها رياك مشار، النائب الأول للرئيس. هذا التطور يفاقم من الأوضاع الإنسانية والاقتصادية المتدهورة بالفعل في البلاد.

تصاعد وتيرة المواجهات العسكرية

توسعت نطاق الهجمات التي تشنها فصائل المعارضة، مدعومة بتشكيل تحالفات جديدة تضم قوى بارزة تنسق عملياتها ضد الحكومة. أعلنت هذه الفصائل سيطرتها على منطقة “فجوت” الاستراتيجية بالقرب من مدينة بور، عاصمة ولاية جونقلي، وهو ما يعتبره مراقبون تطورًا نوعيًا نظرًا لأهمية المنطقة التي تربط ولايات وسط وشمال وجنوب البلاد.

هجمات على مناطق مدنية وتأثيرها الإنساني

لم تقتصر المواجهات على المناطق النائية، بل امتدت لتشمل هجمات على مدن رئيسية مثل كبويتا في ولاية شرق الاستوائية، مما أدى إلى نزوح آلاف المدنيين. الأوضاع الإنسانية في المناطق المتضررة كارثية، مع نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية الأساسية. تقارير منظمات الإغاثة المحلية والدولية تؤكد تدهورًا مستمرًا في مستوى المعيشة وزيادة الحاجة إلى المساعدات الإنسانية العاجلة.

الأزمة السياسية واحتجاز رياك مشار

يتزامن هذا التصعيد العسكري مع أزمة سياسية حادة تتمثل في احتجاز وملاحقة رياك مشار قضائيًا. تعتبر قوى المعارضة هذا الإجراء محاولة لإقصائه من المشهد السياسي ومنعه من المشاركة في الانتخابات العامة المرتقبة. هذا الأمر يزيد من حدة التوتر ويعمق الانقسامات بين الأطراف المتنازعة.

الانتخابات العامة في ظل حالة من عدم الاستقرار

تواصل الحكومة جهودها للتحضير لأول انتخابات عامة منذ انفصال جنوب السودان عن السودان، لكن هذه الجهود تواجه تحديات كبيرة. فالمعارضة ترفض المشاركة في الانتخابات ما لم يتم إطلاق سراح مشار وتوفير شروط عادلة وشفافة للعملية الانتخابية. إضافة إلى ذلك، تعاني البلاد من أزمة اقتصادية خانقة تهدد بتفكك الجيش الحكومي وتزيد من احتمالات اندلاع صراع واسع النطاق. الوضع الاقتصادي المتدهور يؤثر بشكل مباشر على قدرة الحكومة على توفير الأمن والاستقرار.

تحذيرات أممية ودعوات للتهدئة

أعربت لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في جنوب السودان عن قلقها البالغ إزاء التصعيد العسكري المتسارع، وحذرت من احتمال وقوع كارثة إنسانية. وطالبت اللجنة بوقف فوري للأعمال العدائية وحماية المدنيين، مؤكدة أن استمرار العنف يعرض اتفاق السلام الهش لخطر الانهيار. كما أشارت إلى نزوح أكثر من 100 ألف شخص من ولاية جونقلي منذ أواخر ديسمبر 2025، وتدمير الأسواق والمرافق الصحية، مما فاقم من حدة الأزمة الإنسانية.

تشكيل تحالفات معارضة وتراجع الروح المعنوية للجيش

يشير تحليل الوضع الميداني إلى تشكيل تحالفات جديدة بين الجماعات المسلحة المعارضة، بما في ذلك الجبهة المتحدة وجبهة الخلاص الوطني وحركة الجنرال ستيفن بواي. بالإضافة إلى ذلك، هناك تقارير عن تراجع الروح المعنوية داخل صفوف الجيش الحكومي بسبب تأخر صرف الرواتب وارتفاع معدلات التجنيد الإجباري. هذه العوامل مجتمعة تزيد من احتمالات اندلاع حرب أهلية شاملة.

تطورات ميدانية مقلقة في ولاية الوحدة

وفي ولاية الوحدة، شمال غربي البلاد، اندلعت اشتباكات جديدة بين القوات الحكومية والحركة الشعبية لتحرير السودان المعارضة، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن 15 جنديًا. هذا يشير إلى استمرار التوترات الميدانية رغم الدعوات المتكررة لوقف العنف. الاشتباكات في ولاية الوحدة تزيد من تعقيد الوضع وتؤثر على الأمن والاستقرار في المنطقة الحدودية مع السودان.

دعوات للتدخل وتأمين إطلاق سراح مشار

في خطوة تهدف إلى احتواء الأزمة، دعت “مفوضية مراقبة وتقييم اتفاق السلام” التابعة للاتحاد الأفريقي إلى التدخل وتأمين إطلاق سراح رياك مشار وعدد من قيادات المعارضة. المفوضية حذرت من أن استمرار احتجازهم يهدد بحدوث “انهيار لا رجعة فيه” لهدنة هشة، وطالبت بفتح حوار سياسي عاجل والعودة إلى التنفيذ الكامل لاتفاق السلام.

مستقبل جنوب السودان: حوار أم صراع؟

إن مستقبل جنوب السودان يظل معلقًا بين خيارين: إما الانخراط في حوار سياسي شامل يهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للصراع، وإما الانزلاق نحو حرب أهلية شاملة. الوضع الحالي يتطلب تدخلًا عاجلًا من المجتمع الدولي والأطراف الإقليمية لتهدئة الأوضاع ودعم جهود السلام. فالاستقرار في جنوب السودان ضروري ليس فقط لشعبه، بل أيضًا للأمن الإقليمي في منطقة شرق أفريقيا. الانتخابات، في ظل هذه الظروف، قد تكون بمثابة فتيل يشتعل به الصراع بدلًا من أن تكون خطوة نحو الديمقراطية والاستقرار.

شاركها.
اترك تعليقاً