أظهرت دراسة حديثة نشرت في مجلة “نيتشر” أن شبكية عين الطيور تعمل بكفاءة عالية على الرغم من نقص الأكسجين المزمن، وهو ما يمثل تحديًا للفهم التقليدي لعمل الخلايا العصبية. هذا الاكتشاف المتعلق بـ شبكية العين قد يفتح آفاقًا جديدة لفهم تلف الأنسجة في حالات نقص الأكسجين لدى البشر، مثل السكتات الدماغية، ويغير المفاهيم السائدة في علم الأحياء.
نُشرت نتائج الدراسة في 21 يناير/كانون الثاني 2026، وأجرى الباحثون تحليلات دقيقة لكيفية حصول شبكية الطيور على الطاقة، خاصة وأنها تفتقر إلى الأوعية الدموية التي تغذي الأنسجة بالأكسجين في معظم الحيوانات الأخرى. وقد كشفت النتائج عن آلية فريدة من نوعها تعتمد على إنتاج الطاقة اللاهوائية وتوزيع الغذاء بشكل فعال.
شبكية العين والآلية غير التقليدية لتزويد الطاقة
لطالما اعتقد العلماء أن بنية “المشط العيني” داخل عين الطائر هي المسؤولة عن تزويد الشبكية بالأكسجين. ومع ذلك، أظهرت الدراسة أن المشط العيني لا يلعب دورًا في نقل الأكسجين، بل يعمل كمحطة لتوزيع السكر على الشبكية والتخلص من نواتج الأيض. هذا يعني أن الشبكية تعتمد بشكل كبير على عملية تحويل السكر إلى طاقة دون الحاجة إلى الأكسجين.
يوضح الباحث الرئيسي في الدراسة، كريستيان دامسغارد، أستاذ علم الأحياء في جامعة آرهوس الدنماركية، أن هذه الآلية تسمح للطيور بالحفاظ على رؤية حادة وواضحة على الرغم من غياب الأوعية الدموية في شبكية العين. ويضيف أن هذه الخاصية قد تكون مرتبطة بقدرة الطيور على الرؤية في ظروف الإضاءة المختلفة.
تحديات إنتاج الطاقة اللاهوائية
إن إنتاج الطاقة اللاهوائي أقل كفاءة بكثير من المسار المعتمد على الأكسجين، حيث ينتج طاقة أقل بنحو 15 مرة. وهذا يطرح سؤالًا حول كيفية تلبية شبكية الطيور لاحتياجاتها العالية من الطاقة باستخدام هذه الطريقة غير الفعالة. تشير الدراسة إلى أن المشط العيني يلعب دورًا حاسمًا في توفير كميات كبيرة من السكر للشبكية، مما يعوض عن نقص الكفاءة في إنتاج الطاقة.
الصلة بتلف الأنسجة البشري
تكمن أهمية هذا الاكتشاف في إمكانية تطبيقه على فهم تلف الأنسجة البشري في حالات نقص الأكسجين، مثل السكتات الدماغية وأمراض القلب. ففي هذه الحالات، لا يقتصر الضرر على نقص الأكسجين وحده، بل يتفاقم بسبب تراكم الفضلات الأيضية الناتجة عن عملية إنتاج الطاقة.
وفقًا للباحثين، فإن فهم كيفية تعامل الطيور مع هذه الفضلات الأيضية يمكن أن يوفر رؤى جديدة لتطوير علاجات أكثر فعالية للأمراض العصبية. قد يشمل ذلك استراتيجيات لتعزيز إزالة الفضلات الأيضية أو تعديل مسارات إنتاج الطاقة في الخلايا العصبية.
بالإضافة إلى ذلك، تشير الدراسة إلى أهمية النظر في دور الغذاء في الحفاظ على صحة الأنسجة العصبية. فقد يكون توفير كميات كافية من السكر أو غيره من مصادر الطاقة أمرًا ضروريًا لدعم وظائف الخلايا العصبية في حالات نقص الأكسجين.
الخطوات المستقبلية والآفاق البحثية
تعتبر هذه الدراسة خطوة أولى نحو فهم أعمق للآليات التي تسمح لشبكية عين الطيور بالعمل بكفاءة على الرغم من نقص الأكسجين. تخطط فرق البحث لمواصلة دراسة هذه الآليات، مع التركيز على دور المشط العيني في تنظيم مستويات السكر والتخلص من الفضلات الأيضية.
من المتوقع أن يتم إجراء المزيد من الدراسات على أنواع مختلفة من الطيور لتحديد ما إذا كانت الآليات المكتشفة متشابهة في جميع الأنواع. كما سيتم استكشاف إمكانية تطبيق هذه الآليات على تطوير علاجات جديدة للأمراض العصبية لدى البشر. من المرجح أن تظهر نتائج إضافية في غضون عامين، مما قد يؤدي إلى تغييرات كبيرة في فهمنا لعمل الدماغ وتلف الأنسجة.
تُظهر هذه الأبحاث أهمية دراسة التكيفات الفريدة في الكائنات الحية المختلفة، وكيف يمكن لهذه التكيفات أن توفر رؤى قيمة حول العمليات البيولوجية الأساسية. كما تؤكد على الحاجة إلى التعاون بين الباحثين في مختلف التخصصات، مثل علم الأحياء وعلم الأعصاب والطب، لتحقيق تقدم حقيقي في فهم وعلاج الأمراض.














